ثلاث هِبات ورؤية واحدة: رحلتي مع “وفيق”

محمد وفيق، المؤسِّس والرئيس التنفيذي لشركة “وفيق تكنولوجي” ذ.م.م.
بدأت قصتي مع “وفيق” قبل أن أصبح رائد أعمال بسنوات طويلة، وقبل أن تكون هناك منصة أو فريق أو حتى اسم للشركة؛ بدأت في البيت، في أسرةٍ كانت لغة الإشارة جزءًا أصيلًا من نسيج حياتها اليومية. كان والدي أصمًّا، وكذلك أربع من عمّاتي، وكانت والدتي بارعةً في لغة الإشارة. ومنذ الصغر أدركتُ أن الصمت لا يعني غياب التواصل؛ فكان بيتنا عامرًا بالتعبير وروح الدعابة والنقاشات والمشاعر، تُحمَل فيه المعاني على الأيدي والوجوه بقدر ما تُحمَل على الأصوات.
وفي الوقت نفسه، افتُتنتُ بالتكنولوجيا، فاخترتُ التخصّص في علوم الحاسوب، وقضيتُ سنواتٍ منهمكًا في عوالم البرمجة والأنظمة. ولم أدرك إلا لاحقًا كم كان مزيج مهاراتي استثنائيًا؛ فقد حظيتُ بثلاث هبات، هي: النطق، والسمع، ولغة الإشارة. وكان والدي يذكّرني بذلك كثيرًا، فيقول: “لقد مُنحتَ هذه الهبات الثلاث لغاية، فاجعلها في خدمة الصم”. وظلّ صدى كلماته يتردد داخلي، حتى أصبحت، مع الوقت، البوصلة التي توجّه اختياراتي.
وبعد تخرّجي، قدّمتُ أول دورة تدريبية لي في “الرخصة الدولية لقيادة الحاسب الآلي (ICDL)” للمتعلمين الصم. وكانت تلك نقطة تحوّل في حياتي؛ فللمرة الأولى كنت أدرّس في بيئة أستطيع فيها أن أوظّف معرفتي التقنية وطلاقتي في لغة الإشارة معًا من دون الاعتماد على مترجم. وكان لما سمعتُه من المشاركين أثر بالغ في نفسي؛ إذ أخبروني كم تختلف التجربة حين يتعلّمون على يد من يفهم لغتهم وثقافتهم وتحدياتهم اليومية. عندها أدركت أن الأمر لا يقتصر على تعليم مهارات الحاسوب، بل كان مسألة كرامة وطمأنينة وشعور بالانتماء في تجربة التعلّم.
ودفعتني تلك التجربة إلى طرح سؤال يبدو بسيطًا، ولكنه بالغ الأهمية. بدأتُ أتحدث إلى أفراد من الصم في أنحاء العالم العربي، تجاوز عددهم 50 شخصًا، وكنت أسألهم: أين تتعلّمون؟ وإلى أين تذهبون حين ترغبون في اكتساب مهارات جديدة؟ ومن يقدّم لكم تدريبًا يلبّي احتياجاتكم فعلًا؟ وكانت الإجابات موجعة؛ فقد قال كثيرون إنه لا توجد منصات تعليمية متخصصة لهم، ولا فرص منظّمة صُمِّمت للمتعلمين الصم، وكانوا كثيرًا ما يعتمدون على جهود متفرّقة، أو محتوى غير منظَّم، أو بيئات تجعل حواجز التواصل فيها التعلّم تجربةً محبطة وغير مكتملة.
ومن رحم تلك الحوارات وُلدت فكرة “وفيق”. ولم يطل بي التفكير في اختيار الاسم؛ فقد سمّيت المنصة باسم والدي، وفاءً لفضله وأثره في حياتي، وليبقى إرثه في صميم ما أبنيه. وبالنسبة إليّ، ليست “وفيق” مجرد علامة تجارية، بل وعد؛ فهي تجسّد القيم التي علّمني إياها، أعني المسؤولية، والاحترام، والإيمان العميق بقدرات كل إنسان، بغضّ النظر عن حالته السمعية. وبعد رحيله، ازداد شعوري بالالتزام إزاء تحويل كلماته إلى فعل، وبناء شيء يواصل خدمة المجتمع الذي انتمى إليه.
ومنذ البداية، كنت أعلم أنني لا أريد أن تكون “وفيق” مجرد مكتبة عادية للدورات الإلكترونية، أردتها منصةً يكون فيها الصمّ لا متعلمين فحسب، بل قادة أيضًا. واليوم، تقدم “وفيق” تدريبًا متخصصًا في التصميم، والمهارات الرقمية، والمهارات الشخصية، على أيدي مدربين من الصمّ. وحين يدخل المتعلّم من مجتمع الصمّ إلى المنصة، فإن تجربته لا تقتصر على مجرد تلقّي محتوى تم تصميمه لفائدة شخص آخر؛ بل يرى قدوات يشاركونه التجربة الحياتية نفسها، ويتواصلون معه مباشرةً بلغة الإشارة، ويثبتون أن الخبرة والقيادة حقٌ أصيل له أيضًا. وهذا، في نظري، من أهم ميزات منصة “وفيق”؛ لأنه يقاوم التصوّرات البالية عمّن يعلّم ومن يتعلّم.
ولم تقتصر رحلتي على بناء المنصة فحسب، بل أسهمتُ أيضًا في تطوير لغة الإشارة ذاتها، بالمشاركة في إعداد القاموسين المصري والقطري للغة الإشارة؛ فاللغة، في نظري، ركيزة أساسية للتمكين. ومن خلال الإسهام في الجهود الرامية إلى توحيد موارد لغة الإشارة وإثرائها، آمل أن أيسّر وصول مجتمعات الصم إلى التعليم والمعلومات والخدمات العامة. كما شاركتُ في ترجمة أكثر من 5 آلاف مادة توعوية إلى لغة الإشارة، وقد حصدت ملايين المشاهدات عبر الإنترنت، وكل مقطع فيديو يذكّر بأهمية حضور الصمّ وظهورهم في دائرة الضوء، وبأن من حقهم أن يحظوا بفرص متكافئة للوصول إلى المعرفة.
وبطبيعة الحال، لم يخل الطريق من تحديات كثيرة؛ فقد التقيتُ عددًا لا يُحصى من المهنيين الصم الذين يكافحون من أجل العثور على فرص عمل هادفة، لا لنقص في مواهبهم، بل لأن بيئات العمل غير مهيأة للتواصل معهم أو للاعتراف بقدراتهم. وهذه إحدى المشكلات التي تسعى منصة “وفيق” إلى معالجتها؛ فمن خلال توفير مساحة يستطيع فيها المدربون الصمّ أن يدرّسوا، ويكتسبوا دخلًا، ويؤسسوا سمعتهم المهنية، تغدو المنصة أكثر من مجرّد أداة تعليمية؛ فتصير جسرًا يقود إلى فرص اقتصادية واعتراف اجتماعي أوسع. ومشاهدة المدربين الصمّ وهم ينهضون بأدوارهم بثقة من أكثر ما يبعث في نفسي الرضا في عملي.
وقد أدّت دولة قطر دورًا حيويًا في تحويل هذه الرؤية إلى واقع؛ فعندما أطلقت “وفيق” ضمن منظومة ريادة الأعمال هنا، وجدت دعمًا قويًا من مؤسسات مثل مركز حاضنات الأعمال الرقمية وبنك قطر للتنمية. ومن خلال ما قدّموه من إرشاد وتدريب وشبكات علاقات، استطعت أن أصقل الفكرة وأختبرها وأنمّيها. ومع مرور الوقت، حصدت “وفيق” عدّة تكريمات، من بينها جائزة أفضل تجربة رقمية، والمركز الأول بين الشركات الصغيرة والمتوسطة، واعتراف رسمي من وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. وقد ساعدتنا كل محطة من هذه المحطات على توسيع نطاق وصولنا، لكنها، والأهم من ذلك، كانت تذكّرني بأن الابتكار الشامل للجميع ليس مجرد قيمة مضافة، بل حاجة ملحّة.
أما أنا، فلا أرى الابتكار في الصحة والتعليم مجرد أدوات تقنية مبهرة أو صيحات عابرة، بل أراه إزالةً للحواجز التي تحول دون أن يعيش الناس حياة كاملة كريمة. فكثيرًا ما يواجه الصمّ أشكالًا من الإقصاء لا تقتصر على الفصول الدراسية، بل تمتد إلى المعلومات الصحية، والحملات العامة، والخدمات الأساسية أيضًا. ومن خلال إنشاء مساحات تعلّم ميسّرة الوصول وتعزيز موارد لغة الإشارة، فإننا نسهم، على نحو غير مباشر، في تحسين النتائج الصحية، وتوسيع فرص العمل، وتعزيز المشاركة المجتمعية. وهكذا أرى إسهام “وفيق” في بناء مستقبل أكثر شمولًا.
واستشرافًا للمستقبل، فإن رؤيتي هي أن تصبح “وفيق” مرجعًا عربيًا رائدًا في تعليم الصمّ، منسجمةً على نحو وثيق مع “رؤية قطر الوطنية 2030” التي تؤكد أن التعليم حقٌ للجميع. أريد لكل طفل أصم، ولكل بالغ أصم في منطقتنا، أن يعرف أن ثمّة مكانًا لا تشكّل فيه طريقة تواصله عائقًا، بل مصدر قوة؛ وأريدهم أن يروا مدربين يشبهونهم، ويتواصلون بلغة الإشارة مثلهم، ويبرهنون لهم أن القيادة تتجسد في صور شتّى.
ولا تزال رحلتي مع “وفيق” في بداياتها، وما زلتُ أتعلم كل يوم من الناس الذين نخدمهم، ومن الشركاء الذين يدعموننا. وثمة قناعة ترسخت في وجداني من كلمات والدي ورافقتني حتى هذه اللحظة: أن الأثر الحقيقي لا يُقاس بما أحققه لنفسي، بل بما أجعله ممكنًا للآخرين. وحين أرى متعلمًا أصم يزداد ثقةً، أو مدربًا أصم يقود فصلًا دراسيًا، أو محتوى جديدًا يصل بلغة الإشارة إلى آلاف المشاهدين، أشعر أننا نسير في الاتجاه الصحيح؛ فهذا في رأيي هو المعنى الحقيقي للابتكار، وهذا هو الطريق الذي عقدت العزم على المضي فيه.
في نوفمبر 2025، شاركت “وفيق تكنولوجي” ومؤتمر القمة العالمي للابتكار في الرعاية الصحية (ويش) في “منتدى الأعمال القطري – الأفريقي” الذي نظمته متاحف قطر، وهو منتدى يهدف إلى تعزيز التعاون بين دولة قطر والدول الأفريقية في مجالات التعليم والصحة والتكنولوجيا.
ومنذ انطلاقه في العام 2012، يواصل “ويش” دفع مسيرة الابتكار الصحي في دولة قطر وخارجها. وانطلاقًا من إيمانٍ بأن الابتكار لا ينبغي أن يقف عند حدود الاختراع، يركّز “ويش” على إدماج الحلول الجديدة داخل الأنظمة والسياسات والشراكات، بما يحقّق أثرًا عالميًا مستدامًا؛ وهي المبادئ نفسها التي تشكّل رسالة “وفيق”. وتعكس هذه الجهود التزامًا مشتركًا بتسخير الابتكار لتوسيع الفرص أمام المجتمعات التي تنقصها الخدمات في مختلف المناطق، وتيسير الوصول إلى الرعاية الصحية، وضمان تقديم حلول مؤثرة تتمحور حول الإنسان.
مدونات مشابهة
أسبوع صحة الرجال 2026: عندما يموت السمكُ مبكرًا… فالمشكلة في الماء لا في السمك
اقرأ أكثر...
إضفاء الحيوية على العمر المتقدم: التواصل الاجتماعي نبض الشيخوخة الصحية
اقرأ أكثر...