تخطى إلى المحتوى الرئيسي

إضفاء الحيوية على العمر المتقدم: التواصل الاجتماعي نبض الشيخوخة الصحية

الأحد, يونيو 21, 2026
إضفاء الحيوية على العمر المتقدم: التواصل الاجتماعي نبض الشيخوخة الصحية

الدكتور سليم سلامة، الرئيس التنفيذي لمؤتمر “ويش” – مؤسسة قطر

رغم أنها كانت تنعم بحالة طبية مستقرة في الثالثة والتسعين من عمرها، إلا أن حضورها الاجتماعي كان يتلاشى.

جرت العادة لدينا أن نستهل حديثنا عن طول العمر بالتركيز على الأرقام؛ فنشير إلى متوسط العمر المتوقع، ومنحنيات الشيخوخة، وحجم الفئة السكانية التي تزيد أعمارها عن 65 عامًا. بيد أن هذه الأرقام يندر أن تجسد المعنى الحقيقي للتقدم في العمر. وبعد سنوات من العمل في غرف الطوارئ وأجنحة المستشفيات وفي مجال الصحة العالمية ووضع السياسات في منظمة الصحة العالمية، أدركت أن هذه الإحصاءات لا تعكس سوى جزء ضئيل من الحقيقة. فما يهم حقًا هو الناس.

وإنني لأتذكر جيدًا تلك السيدة المُسنة التي كُلفت بزياتها صباح كل سبت عندما كنت طالبًا في جنيف. كانت تبلغ من العمر 93 عامًا وتعيش بمفردها في أحد الأحياء المتواضعة للطبقة العاملة. وقد وجدتها وقد تقلص عالمها تدريجيًا ليقتصر على المساحة المحيطة بسريرها، حيث توجد ممتلكاتها التي عكفت على جمعها على مدار حياتها. وهي في الوقت نفسه تستقبل زيارات الممرضات والأخصائيين الاجتماعيين المعنيين بها. وربما يوحي ذلك على الورق أنها تتلقى ما تحتاجه من رعاية. لكن فرق كبير بين ذلك والواقع الذي كانت تعيشه؛ حيث لا يوجد أي تواصل عائلي، ولا نزهات تُكسر رتابة أيامها الطويلة. لقد كانت حياتها آمنةً من الناحية الطبية، لكن ضيّقة الأفق إلى حدٍّ موجع.

لقد كانت تُدعى لويز غوييه. ولم أكن أعلم من قصتها في ذلك الوقت سوى شذراتٍ متناثرة، التقطتُها من أحاديثنا ومن الصور التي كانت تُبقيها قريبةً منها. وقد اكتشفتُ لاحقًا أن دار نشر في جنيف كانت قد وثّقت حياتها بالفعل في كتابٍ يحمل عنوان بسيط، وهو ”لويز”. يتتبع هذا الكتاب مسيرة حياتها كامرأة من الطبقة العاملة، وُلدت عام 1898، وانتقلت إلى جنيف سنة 1926 لتلتحق بزوجها المستقبلي، الذي كان يعمل منجّدًا متنقلاً. ويسرد الكتاب من منظور صاحبته قصة قرابة قرنٍ كامل من التحوّلات التي شهدتها المدينة، حتى صار يُعدّ من الأعمال المبكرة البارزة فيما يُطلق عليه “سرديات الحياة”، تلك التي منحت صوتًا للناس العاديين، ولما يُسمّى أيضًا “الذاكرة العمّالية” لأحياء مثل لا جونكسيون. وهكذا، أدركتُ متأخرًا بعض الشيء أنني لم أكن أزور مجرد “حالة” أو “مستفيدة”، بل امرأة كُتبت حياتها بعناية، وأصبحت جزءًا من الذاكرة الاجتماعية لمدينةٍ بأكملها.

مع مرور الوقت، أصبحتُ جزءًا من روتينها اليومي. وفي صباح إحدى زياراتي إليها، طلبت مني أن أُخرج شريط صورٍ قديم من كاميرتها. وجلسنا جنبًا إلى جنب، نتأمل صورًا التقطت خلال أيام العطلات في بريتاني والاحتفالاتٍ العائلية. وكانت في هذه الصور امرأةً عاملة شابّة، تنبض بالحركة، والعلاقات الدافئة، ومفعمةً بكثير من المعاني. وفي تلك اللحظة، أدركتُ أن المرأة الهزيلة الراقدة على السرير، وتلك المرأة المتألقة في الصور، ليستا سوى فصلين متصلين من الحكاية ذاتها. لم تكن صحتها مجرد قائمةٍ من التشخيصات، بل كانت حصيلة أدوارها، وصلاتها، وذكرياتها. تلك التجربة بقيت راسخةً في داخلي.

ومع كل عامٍ أمضيه في العمل السريري وصياغة السياسات، يزداد وضوح هذا المعنى أمام عيني. الصحة لا تقتصر على الرعاية الطبية فقط، لكنها تشمل أيضًا الشعورٌ بالانتماء، والكرامة، ووضوح الغاية.

ولهذا السبب يبدو المصطلح الياباني “كودوكوشي” أي “الموت وحيدًا” مقلقًا بشدة. فهو يصف أشخاصًا يرحلون في صمت، دون أن يلاحظ غيابهم أحد، لأيامٍ أو حتى لأسابيع. وخلف هذه الكلمة تتوارى بالحجاب حيواتٌ كثيرة وتتلاشى تدريجيًا عن الأبصار. وغالبًا ما تحدث هذه الظاهر ة نتيجة تحوّلات ديموغرافية واجتماعية عميقة؛ التمدّن، وشيخوخة السكان، وتآكل البُنى التقليدية للأسرة والمجتمع. وليست اليابان استثناءً من ذلك. ففي مختلف أنحاء العالم، تتزايد أعداد من يعيشون أعمارًا أطول، لكنهم في كثيرٍ من الأحيان يعيشونها وحدهم، ضمن شبكاتٍ اجتماعية محدودة بشكل أكبر. وبينما نحتفي بارتفاع متوسطات العمر، تتواضع الجهود التي نبذلها في مواجهة حقيقة أن كثيرًا من كبار السن يتقدّمون في العمر دون تلك الشبكات الاجتماعية التي تمنح الحياة معناها.

ولقد باتت الأدلّة اليوم جليّةً لا لبس فيها. فالوحدة والعزلة الاجتماعية في سنّ متقدّمة ترتبط بارتفاع مخاطر الاكتئاب، وتدهور القدرات المعرفية، وأمراض القلب، وحتى الوفاة المبكرة. وقد أدركت منظمة الصحة العالمية، من خلال “عقد الشيخوخة الصحية” وبرامجها المعنيّة بالترابط الاجتماعي، أن العزلة ليست مسألة ثانوية أو “هامشية”، بل قضية صحة عامة من الدرجة الأولى. ومع ذلك، ما تزال أنظمتنا مُعدة في معظمها لتشخيص المرض وعلاجه، أكثر من كونها معنيّة بالحفاظ على الروابط الإنسانية.

وكثيرًا ما يُطرح مفهوم الشيخوخة الصحية على أنه مشروع فردي؛ بحيث يدعو الأفراد إلى الالتزام بقواعد التغذية الجيدة، وممارسة الرياضة، والإقلاع عن التدخين، وتناول الأدوية. وهذا كله من الأهمية بمكان. لكن لا يمكن للانضباط الشخصي مهما بلغ أن يُعوِّض كِبار السن في بيئات العزلة التي يعيشون فيها. ويمكننا أن نرى ذلك بوضوح في نوبات العمل الليلية في قسم الطوارئ بالمستشفيات؛ حيث يظهر الاختلاف بين مريضٍ مسنّ يصل محاطًا بعائلته أو جيرانه، وآخر يصل وحيدًا تمامًا. ولربما تكون حالتهما الإكلينيكية متشابهة. لكن إنسانيًا، الفارق بينهما شاسع كعالمين منفصلين.

وهناك مثل في العربية يقول: “مَن شبَّ على شيءٍ شابَ عليه.” وهو مثل نستخدمه عادةً للحديث عن العادات، لكنه ينطبق أيضًا على العلاقات. فالأدوار الاجتماعية والعادات الروتينية التي نبنيها عبر العمر لا تفقد قيمتها مع التقدّم في السن. بل لعلها تصبح أكثر حمايةً وأشدّ ضرورة. وهناك قولٌ آخر يذكّرنا بأن “العلم في الصغر كالنقش على الحجر. ” وكذلك هي قيم الاحترام والقرب والتضامن بين الأجيال التي نغرسها مبكرًا، فهي التي تُشكّل كيف نعامل كبار السن لاحقًا، وكيف سنُعامَل نحن حين يشتعل الشيب في رؤوسنا.

وعلى الصعيد العالمي، يمر الحوار عن الشيخوخة بتغيرات جوهرية. ومن جانبها، تعرّف منظمة الصحة العالمية “الشيخوخة الصحية” بأنها الحفاظ على القدرة الوظيفية التي تمكّن الإنسان أن يكون ويؤدي ما يراه ذا قيمة في سنواته المتقدّمة. ويشير هذا التعريف إلى فكرة ما هو أبعد من مجرّد البقاء. إنه يسأل: هل ما يزال بإمكان الإنسان المسنّ أن يمشي إلى المسجد أو الكنيسة أو السوق؟ أن يحضر فعالية مدرسية لحفيده؟ أن يجادل أصدقاءه في السياسة؟ أن يعتني بحديقة؟ أن يتطوّع في نشاط مجتمعي؟ وهذه الأنشطة اليومية ليست تفاصيل هامشية على الإطلاق. بل هي الجوهر الذي يجعل السنوات المتقدمة تستحق العيش.

وإذا أخذنا هذا الأمر على محمل الجد، فعلينا أن ننظر إلى الروابط الاجتماعية بوصفها بنيةً أساسية. وذلك مثلما سلّمنا منذ زمنٍ بأن الطرق والمياه والكهرباء، واليوم أيضًا الوصول الرقمي، هي من ضرورات الصحة.

وينبغي أن تحتلّ الروابط الاجتماعية مكانها إلى جانب تلك الأساسيات. فقد وثّقت منظمة الصحة العالمية وغيرها من الجهات المعنية كيف يمكن لمجموعات المجتمع، وبرامج الرفقة، والمساحات العامة “الصديقة لكبار السن”، ووسائل النقل الشاملة، أن تُخفّف من وطأة العزلة وتعزّز الرفاه متى استهدفت ذلك. وغالبًا ما تكون هذه الأمور عبارة عن تدخّلات بسيطة، مثل توفير المقعد الآمن في الشارع، أو مركزٌ مجتمعي يظلّ مفتوحًا مساءً، أو إجراء زيارات منتظمة بلا استعجال. لكن أثرها قد يكون عميقًا على نحوٍ مدهش.

ولا يكفي فقط أن ندرك مدى أهمية هذه الأمور. إذ يجب علينا إدماج الروابط الاجتماعية في صُلب السياسات، وكذلك قياسها وتمويلها بما يكفي. كما ينبغي أن ننظر إلى ما هو أبعد من قطاعي الصحة والخدمات الاجتماعية. فطول العمر والشيخوخة الصحية يتأثران بالعوامل المرتبطة بالإسكان، والنقل، والتخطيط العمراني، والتكنولوجيا، والاقتصاد، والثقافة، والإعلام. وفي قصة عاملات توصيل مشروب حليب “ياكولت” في اليابان، اللواتي لا يقدّمن مشروب الحليب فحسب بل يحملن معهن أيضًا دفء التواصل الإنساني إلى كبار السن الذين يعيشون وحدهم، في هذه القصة ما يقدم مثالاً صغيرًا لكنه بليغ للغاية. فذاك المنتجٌ المصُمّم لصحة الأمعاء قد تحوّل بفضل طريقة تقديمه إلى جسرٍ للتواصل. وهذا ليس عملاً خيريًا أو مجرّد دعاية، بل دليلٌ يوضح كيف يمكن للقطاع الخاص أن يُسهم بجدية في منظومات الشيخوخة الصحية حين يُدرك واقع حياة عملائه من الناس.

وفي منطقتنا، يمكننا أن نتعلّم من هذه النماذج، والاستلهام في الوقت نفسه من تراثنا الخاص. فما تزال كثير من المجتمعات العربية تحمل قيمًا راسخةً من المسؤولية العائلية واحترام كبار السن، حتى وإن كانت ضغوط الحياة الحديثة تُرهق هذه الأنماط. فالأسر الأصغر، والعيش في المدن، وتنقّل الأجيال الشابة، كلها تعيد تشكيل أنظمة الدعم التقليدية. والتحدّي أمامنا ليس في تمجيد الماضي، بل في ترجمة أفضل ما فيه إلى صيغٍ جديدة تلائم حياةً حضرية متنقلة، وذات ضغوط عمل شديدة، ونمط رقمي. وقد يعني ذلك تصميم مساكن تُبقي الأجيال أقرب، أو استحداث أدوارٍ لكبار السن في المدارس والحياة المدنية، أو استخدام التكنولوجيا لتعزيز الزيارات الإنسانية لا لاستبدالها.

جليُّ أن الحكومات باتت أكثر وعيًا بهذه التحديات، لكن الوعي وحده لا يكفي. إذ ينبغي التعامل مع الروابط الاجتماعية كمؤشّر أساسي للشيخوخة الصحية، ودمجها في الاستراتيجيات الوطنية، والرعاية الأولية، والسياسات الحضرية. وعلينا أن نوسّع تعريف “العمل الصحي” ليشمل تلك الأفعال الهادئة، والإنسانية، التي تُبقي كبار السن متجذّرين في مجتمعاتهم. ومن أمثلة ذلك دعم الزيارات الأسبوعية، وتشجيع الجيران على التقارب، وتقدير عمّال التوصيل الذين يقدّمون كلمةً طيبة أو حديثًا عابرًا بوصفهم شركاء في صون كرامة الشيخوخة. كما يتعين اتخاذ خطوات لضمان بقاء كبار السن على اتصال بالآخرين وأن يشعروا بالتقدير.

كثيرًا ما تُطرح قضية طول العمر بوصفها انتصارًا للعلم، وهي حقًا كذلك. لكن إن كانت السنوات الأطول تُعاش في عزلة، ضمن آفاقٍ تتقلّص وشعورٍ بالغاية يتلاشى، فنحن نكون قد أخفقنا في بلوغ الهدف الحقيقي. فالتحدّي ليس فقط في إضافة سنواتٍ إلى الحياة، بل في أن نجعل هذه السنوات ممتلئةً بالمعنى، ومتصلةً بالآخرين، ومصونةً بالكرامة. والمعيار الحقيقي للنجاح في هذا الأمر يرتبط بقدرة الأفراد على أن يواصلوا فعل ما يهمّهم، لأطول وقت ممكن، وهم محاطون بمن ينتبهون لهم ويعرفون قصصهم.

فالسؤال المطروح هنا بسيط للغاية: هل ستظل امرأة مثل لويز مرئيةً حينما تبلغ الثالثة والتسعين من عمرها؟

والخلاصة أن هذه الرؤية يحتاج تحويلها إلى واقع إلى بناء مجتمعاتٍ لا تكون فيها السنوات المضافة أطول فحسب، بل أعمق معنىّ، وأوثق صلةً، وأكثر كرامةً.