من وقت الشاشة إلى الرفاه الرقمي: الأسرة أساس الحماية

الدكتورة شريفة نعمان العمادي – المدير التنفيذي, معهد الدوحة الدولي للأسرة
على مدى سنوات، انصبّ اهتمامنا على سؤال واحد: كم من الوقت يقضي أطفالنا على الإنترنت؟ لكن ربما لم يكن هذا هو السؤال الأهم.
فليس كل وقت يُقضى في العالم الرقمي متشابهًا في طبيعته أو أثره. قد يمضي طفل ساعات على الإنترنت في التعلّم والإبداع والتواصل مع أسرته وأصدقائه، بينما قد يقضي طفل آخر وقتًا أقل بكثير، لكنه يتعرّض خلاله لمحتوى ضار، أو لضغوط المقارنة الاجتماعية، أو لمعلومات مضللة، أو لتجارب تؤثر في نومه وعلاقاته ورفاهه النفسي. ومن هنا، لا يمكن اختزال الرفاه الرقمي في عدد الساعات التي يقضيها الطفل أمام الشاشة؛ فالأهم هو طبيعة ما يتعرّض له، والدوافع وراء استخدامه للتكنولوجيا، وكيفية تفاعله معها، والأثر الذي تتركه في حياته وعلاقاته.
وتؤكد أبحاث معهد الدوحة الدولي للأسرة هذه الحقيقة بصورة متزايدة. ففي دراسة المعهد لعام 2024، بعنوان “رفاه الطفل في قطر: مسح الأسر القطرية”، أفادت النتائج بأن 81% من الأطفال لديهم إمكانية الوصول إلى الإنترنت، ويقضون في المتوسط نحو 4.5 ساعات يوميًا على الشبكة. وقد أدركت الأسر ما تتيحه التكنولوجيا من فوائد مهمة، من بينها التعلّم والوصول إلى المعلومات والتواصل الاجتماعي، لكنها في الوقت نفسه عبّرت عن مخاوف تتعلق بالنوم، والاستخدام المتكرر، والمقارنة الاجتماعية، والصورة الذاتية، ومدى موثوقية المعلومات التي يتعرض لها الأطفال عبر الإنترنت.
ومن منظور الصحة العالمية، فإن القضية تتجاوز بكثير مسألة وقت الشاشة. فالتجارب الرقمية يمكن أن تنعكس على صحة الأطفال النفسية والجسدية، وتعليمهم، وعلاقاتهم، ونموهم. ورغم أن نتائج دراساتنا تنطلق من واقع الأسر في قطر، فإنها تسلط الضوء على قضية أوسع: لا يمكن فهم علاقة الأطفال بالعالم الرقمي بمعزل عن السياق الثقافي والاجتماعي والأسري الذي ينشؤون فيه.
ومن ثم، فالرسالة ليست في اعتبار التكنولوجيا جيدة أو سيئة في حد ذاتها؛ بل في إدراك أن تجارب الأطفال في العالم الرقمي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بعلاقاتهم والبيئات المحيطة بهم، ولا يمكن النظر إلى أحدهما بمعزل عن الآخر.
الأسرة المتماسكة في ظل التحولات الرقمية
تكشف أبحاث معهد الدوحة الدولي للأسرة عن مفارقة جديرة بالتأمل.
فقد أظهرت دراسة المعهد لعام 2026، بعنوان: “التماسك الأسري في قطر: مسح الأسر القطرية”، مستويات مرتفعة من الانتماء والرعاية والدعم المتبادل بين أفراد الأسرة. ومع ذلك، أفاد 76% من المشاركين بأن وسائل التواصل الاجتماعي تشتت انتباه أفراد الأسرة، وأشار 71% إلى أن أفراد الأسرة الأصغر سنًا يقضون وقتًا أطول على هذه المنصات مقارنة بالأكبر سنًا، في حين أفاد 54% فقط بوجود قواعد أسرية تنظّم استخدامها.
وهذا يعني أن تماسك الأسرة، على أهميته، لا يجعلها بمنأى عن الضغوط التي يفرضها العالم الرقمي.
فقد تكون الأسرة محبة ومترابطة، ومع ذلك تجد نفسها أمام تحديات يومية؛ أحاديث تقطعها الأجهزة، وهواتف حاضرة على مائدة الطعام، وخلافات حول حدود الاستخدام، وإشعارات تستحوذ باستمرار على الانتباه. فالتكنولوجيا قد تقرّب بيننا وتفتح مساحات جديدة للتواصل، لكنها في الوقت نفسه قد تنافس علاقاتنا على الوقت والاهتمام.
وتكمن أهمية ذلك في أن النقاش حول الرفاه الرقمي غالبًا ما يُختزل في سؤال موجّه إلى الوالدين: كيف نُبعد أطفالنا عن الشاشات؟
لكن السؤال الأجدى هو: كيف نساعد أطفالنا على بناء علاقة صحية وآمنة مع عالم رقمي سيظل حاضرًا في حياتهم؟
فكثرة الاستخدام الرقمي لا تعني بالضرورة أن الطفل قد طوّر علاقة إشكالية أو قهرية مع التكنولوجيا؛ فالوقت ليس سوى أحد جوانب الصورة. ويصبح الأمر أكثر مدعاة للقلق عندما يفقد الطفل قدرته على التحكم في استخدامه، أو يلجأ بصورة متكررة إلى العالم الرقمي للتعامل مع الضغوط أو المشاعر السلبية، أو عندما يبدأ هذا الاستخدام بالتأثير في نومه وتعليمه وعلاقاته ومسؤولياته اليومية.
وقد خلصت دراسة المعهد لعام 2023، “الإفراط في استخدام التكنولوجيا الرقمية لدى المراهقين: وجهات نظر الآباء والمراهقين والممارسين في قطر”، التي أُنجزت بالتعاون مع مؤتمر القمة العالمي للابتكار في الرعاية الصحية، ومؤتمر القمة العالمي للابتكار في التعليم، وجامعة حمد بن خليفة، إلى نتائج مماثلة. فقد أشار الآباء والمراهقون والممارسون إلى مجموعة من التحديات التي تمس الصحة والتعليم والعلاقات الأسرية، من بينها القلق، وتراجع القدرة على التركيز، وضعف الأداء الأكاديمي، والانشغال المستمر بالأجهزة، والتغيرات في أنماط التفاعل داخل الأسرة.
لكن الدراسة كشفت أيضًا عن جانب لا يقل أهمية؛ فكثير من الحوارات بين الآباء والمراهقين حول التكنولوجيا كانت غير واضحة، أو تنشأ في سياق الخلاف، أو تقتصر على فرض القيود، في حين عبّر المراهقون عن تفضيلهم للحوار والتفاهم بدلًا من التوجيه أحادي الاتجاه.
قد يؤدي سحب الجهاز من الطفل إلى إيقاف استخدامه لبضع ساعات، لكنه لا يساعده على فهم لماذا يجد نفسه مدفوعًا للعودة إليه مرارًا، أو كيف تؤثر الخوارزميات في المحتوى الذي يصل إليه، أو كيف يميّز المعلومات المضللة، أو كيف يتصرف عندما يتحول تفاعل عبر الإنترنت إلى تجربة مؤذية، أو كيف ينظّم سلوكه الرقمي عندما لا يكون أحد الوالدين حاضرًا.
لذلك، لا ينبغي أن يكون هدفنا أن يلتزم الأطفال بالقواعد فحسب، بل أن نمنحهم المعرفة والمهارات والقدرة على اتخاذ قرارات واعية وآمنة في العالم الرقمي.
الأسرة في صميم الحماية… والمسؤولية مشتركة
الأسرة هي البيئة الأولى التي يتعلّم فيها الطفل كيف يفهم العالم من حوله ويتفاعل معه، وفي عالم اليوم، بات جزء متزايد من هذا العالم رقميًا.
فالدفء الأسري، والحوار المفتوح، والإشراف الواعي والمتوازن، والروتين الأسري المشترك، جميعها عوامل يمكن أن تعزز حماية الأطفال. ومن هذا المنطلق، ينبغي أن يكون رفاه الأسرة في صميم الجهود الرامية إلى التعامل مع الإفراط في الاستخدام الرقمي والمخاطر الرقمية الناشئة.
ويؤدي الوالدان أيضًا دورًا بالغ الأهمية بوصفهما قدوة لأطفالهما؛ فالأطفال لا يلاحظون فقط مقدار الوقت الذي يقضيه الكبار أمام أجهزتهم، بل يتعلمون أيضًا من طريقة تعاملهم مع الإشعارات والمحتوى الرقمي، وكيفية رسمهم للحدود بين حياتهم على الإنترنت وحياتهم خارجه.
لكن وضع الأسرة في قلب الرفاه الرقمي لا يعني تحميل الوالدين وحدهما مسؤولية مواجهة هذه التحديات. فقد كشفت إحدى أبرز نتائج أبحاث المعهد حول الإفراط في الاستخدام الرقمي لدى المراهقين أن أكثر من 98% من الآباء الذين شملهم الاستطلاع لم يكونوا على دراية بالخدمات المحلية التي يمكن أن تقدم لهم الدعم والمساندة.
وهذه النتيجة تشير إلى فجوة في منظومة الدعم، وليس فقط إلى تحديات في دور الوالدين.
فالآباء بحاجة إلى إرشادات عملية، وإلى تعزيز معارفهم ومهاراتهم الرقمية، بما يساعدهم على فهم المنصات والمحتوى الذي يتفاعل معه أطفالهم، والتعرف مبكرًا إلى مؤشرات الاستخدام الضار أو القهري، وبناء حوار فعّال معهم، ومعرفة الجهات التي يمكن اللجوء إليها عند الحاجة. ويتطلب ذلك أيضًا وعيًا بمخاطر الخصوصية، والمحتوى الضار، والمعلومات المضللة، والتفاعلات عبر الإنترنت، وطبيعة الألعاب الرقمية، والخوارزميات، وأساليب التصميم التي تستهدف جذب المستخدم والحفاظ على تفاعله.
ومن هنا، فإن أي استجابة تضع الأسرة في صميم الرفاه الرقمي ينبغي أن تحيطها بمنظومة متكاملة من الدعم، تربطها بالمدارس والخدمات الصحية ومؤسسات دعم الأسرة، إلى جانب أطر وسياسات فعّالة لحماية الأطفال في الفضاء الرقمي.
فالغاية ليست أن تحل المؤسسات محل الأسرة، بل أن تمكّنها من أداء دورها على نحو أكثر فاعلية. فالأسرة المتماسكة، حين تساندها مؤسسات مستجيبة وتحيط بها بيئة رقمية أكثر أمانًا، تشكّل أساسًا أكثر قوة وفاعلية للوقاية والحماية.
الرفاه الرقمي من منظور أسري
تشكّلت رؤيتي للرفاه الرقمي من خلال مسارات مهنية متكاملة؛ ليس فقط عبر قيادتي لأبحاث معهد الدوحة الدولي للأسرة وعمله في مجال السياسات، بل أيضًا من خلال خبرتي بوصفـي معالجة نفسية مرخصة، ومتخصصة في التثقيف في مجال العلاقات الأسرية، ومستشارة في السياسات، وممارسة في مجال الوقاية من الإدمان. ومن خلال هذه الخبرات، لمست أن السلوك الرقمي للأطفال لا يمكن فهمه بمعزل عن علاقاتهم الأسرية، والضغوط التي يواجهونها، ومنظومات الدعم المحيطة بهم.
غالبًا ما يُطلب من الوالدين التعامل مع مخاطر أوجدتها منصات وخوارزميات وبيئات رقمية لم يشاركوا في تصميمها، وقد لا يدركون بصورة كاملة آليات عملها وتأثيرها. وفي المقابل، تؤكد الخبرة العلاجية والعمل مع الأسر أن فرض القيود وحده نادرًا ما يكون كافيًا. فالأطفال يحتاجون إلى الحوار والثقة والدعم النفسي والحدود الواضحة، كما يحتاجون إلى بالغين يدركون دوافع لجوئهم إلى العالم الرقمي ويفهمون طبيعة التجارب والمحتوى الذي يواجهونه فيه.
ومن هنا، لا بد أن تقابل مسؤولية الوالدين مسؤولية مؤسسية موازية. فالأسر ينبغي أن تكون شريكًا في الوقاية، لا أن تتحمل اللوم عند ظهور المشكلات. وهذا يتطلب تعاون صناع السياسات والمتخصصين في الصحة والتربويين والباحثين ومقدمي التكنولوجيا من أجل تزويد الأسر بإرشادات عملية، وخدمات يسهل الوصول إليها، وبيئات رقمية أكثر أمانًا.
ومن هذا المنطلق، يحتاج مجتمع الصحة العالمي إلى تبنّي نهج يضع الأسرة في صميم الاهتمام ويراعي في الوقت ذاته الخصوصيات الثقافية للمجتمعات؛ نهج ينظر إلى الأسرة ليس فقط بوصفها مصدرًا للرعاية، بل باعتبارها شريكًا أساسيًا في الوقاية والتدخل المبكر وتعزيز الرفاه على المدى الطويل.
الرفاه الرقمي مسؤولية نتشاركها جميعًا
لا يمكن للأسرة وحدها أن تضمن رفاه أطفالها في العالم الرقمي؛ فنجاحها في أداء هذا الدور يرتبط أيضًا بمنظومة الدعم والحماية المحيطة بها، بما يشمل خدمات يسهل الوصول إليها، ومدارس ومتخصصين صحيين يمتلكون المعرفة اللازمة، وسياسات فعّالة لحماية الأطفال على الإنترنت، إلى جانب تقنيات تُصمَّم واضعةً رفاه الأطفال وسلامتهم في صميم أولوياتها.
والخطوة التي نحتاج إليها اليوم هي تحويل ما تقدمه الأدلة والبحوث إلى عمل منسق ومتكامل. وهذا يتطلب أن يعمل صناع السياسات والباحثون والممارسون ومقدمو التكنولوجيا جنبًا إلى جنب مع الأسر لتطوير إرشادات عملية، ومسارات واضحة للحصول على الدعم والخدمات المناسبة، واستراتيجيات وقائية تراعي الخصوصيات الثقافية، وبيئات رقمية أكثر أمانًا. فالأسر ليست مجرد متلقية للدعم، بل ينبغي أن تكون شريكًا أساسيًا في تصميم الحلول وصياغتها.
سيكبر أطفالنا في عالم تشكّل فيه التكنولوجيا جزءًا أصيلًا من حياتهم. ومسؤوليتنا المشتركة هي أن نضمن أن تكون هذه التكنولوجيا وسيلة لتوسيع فرصهم وتعزيز تواصلهم، من دون أن يأتي ذلك على حساب صحتهم أو نموهم أو علاقاتهم الأسرية.
نبذة عن الكاتبة
تشغل الدكتورة شريفة نعمان العمادي منصب المدير التنفيذي لمعهد الدوحة الدولي للأسرة، عضو مؤسسة قطر، وتُعد أحد أبرز المناصرين لقضايا تماسك الأسرة. وهي معالجة نفسية مرخصة ومستشارة بدوام جزئي لوزير التنمية الاجتماعية والأسرة في دولة قطر، وتجمع في مسيرتها المهنية بين الخبرة العلاجية والبحث الأكاديمي والمناصرة رفيعة المستوى في مجال السياسات. وتمتد خبرتها لتشمل رفاه الأسرة، والإرشاد الزواجي والأسري، والوقاية من الإدمان، والحماية الاجتماعية، وتطوير وإصلاح السياسات القائمة على الأدلة، على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية.
مدونات مشابهة
أسبوع صحة الرجال 2026: عندما يموت السمكُ مبكرًا… فالمشكلة في الماء لا في السمك
اقرأ أكثر...
إضفاء الحيوية على العمر المتقدم: التواصل الاجتماعي نبض الشيخوخة الصحية
اقرأ أكثر...