تخطى إلى المحتوى الرئيسي

أسبوع صحة الرجال 2026: عندما يموت السمكُ مبكرًا… فالمشكلة في الماء لا في السمك

الثلاثاء, يونيو 30, 2026
أسبوع صحة الرجال 2026: عندما يموت السمكُ مبكرًا… فالمشكلة في الماء لا في السمك

البروفيسورة سالي ثيوبالد، كلية ليفربول للطب الاستوائي
الدكتور جيريميا تشيكوفوري، كبير الباحثين المتخصصين، مجلس البحوث في العلوم الإنسانية، جنوب أفريقيا
الدكتور فيغارد سكيربيك، جامعة أوسلو

ثلاثة خبراء يسلّطون الضوء على ما تُغفله الصحة العامة بشأن صحة الرجال، وما الذي ينبغي فعله لتصحيح المسار.

عادةً ما يشكّل أسبوع صحة الرجال مناسبةً للتوعية وإثارة النقاش حول التحديات الصحية التي يواجهها الرجال. لكنه نادرًا ما يُفسح المجال للسؤال الأكثر إلحاحًا: لماذا لا تزال الفجوات الصحية بين الرجال وغيرهم واسعةً إلى هذا الحدّ؟

على مدى ما يقرب من عشر سنوات، بنت منظمة غلوبال 50/50 رؤيتها على حقيقةٍ جوهرية مفادها أن النوع الاجتماعي يؤثر في النتائج الصحية للجميع؛ ليس للنساء وحدهن، ولا داخل مؤسسات الرعاية الصحية فحسب، بل في مختلف مناحي الحياة والمجتمع.

هل نلوم السمك أم نفحص الماء؟

في أحد المؤتمرات المتخصصة بصحة الرجال العامَ الماضي، طُرح تشبيهٌ بدا للوهلة الأولى بسيطًا، لكنه اختصر جوهرَ المشكلة بأكملها. فقد سألت مؤسسة موفمبر (Movember): إذا كانت الأسماك في بركةٍ واحدة تموت جميعُها في سنّ مبكّرة، فهل يكون الحل في لوم الأسماك؟ أم في التوقف لحظةً والتساؤل عمّا أصاب الماء الذي تعيش فيه؟ تستعين سالي ثيوبالد، الباحثة في الأنظمة الصحية بكلية ليفربول للطب الاستوائي، بهذا التشبيه لا لكونه صورةً بلاغية موفّقة، بل للكشف عن الخلل الذي رافق طريقة تعاملنا مع صحة الرجال. وتقول في هذا السياق: “عندما نفسّر النتائج الصحية المتدنية لدى الرجال بوصفها مجرد انعكاسٍ لخيارات شخصية خاطئة، فإننا نواصل الاستثمار في حملات التوعية ورسائل تغيير السلوك. أما عندما ندرك أنها نتاجُ عوامل اجتماعية واقتصادية وتجارية وبنيوية مرتبطة بالنوع الاجتماعي، فإن التركيز ينتقلُ من الفرد إلى المنظومة التي تحيط به، ومن لوم الأشخاص إلى معالجة جذور المشكلة”.

وهنا تكمن المفارقة. ففي معظم بلدان العالم، لا يزال الرجال يعيشون أعمارًا أقصر من النساء، ومع ذلك فإن الجهد المبذول لفهم أسباب هذه الظاهرة لم يكن بمستوى حجمها أو آثارها. فبحسب جيريميا تشيكوفوري، عالم الاجتماع في مجلس البحوث في العلوم الإنسانية بجنوب أفريقيا، أنتجت الأبحاث الصحية كمًّا هائلًا من البيانات التي توثّق هذه الفجوة، لكنها لم تُستثمر بالقدر نفسه في فهم الأسباب العميقة الكامنةِ وراءها. ويقول: “لطالما انصبّ تركيز المقاربات الجندرية في القطاع الصحي على النساء، ولا سيّما من خلال بوابة الصحة الإنجابية. أما الرجال، فقد جرى التعامل معهم بوصفهم النموذج البشري الافتراضي الذي لا يحتاج إلى دراسةٍ خاصة. ولذلك تراكمت المعارف المتعلقة ببيولوجيا الذكور، في حين لم يُبذل الجهدُ نفسه لفهم التجربة الاجتماعية للرجل، وكيف تنعكس هذه التجربة على صحته”.

ولم يكن ثمنُ هذا الإغفال عصيًّا على القياس. فالاكتئابُ لدى الرجال كثيرًا ما يُختزل في كونه مشكلة سلوكية، وإصابات العمل تندرج تحت سياسات العمل، بينما يُنظر إلى الانتحار بوصفه ظاهرة مفصلة قائمة بذاتها لا باعتباره قضية ترتبط بمفاهيم الرجولة والأدوار الاجتماعية والضغوط التي تفرضها. وامتدّ هذا القصور إلى التمويل البحثي أيضًا. فالدراسات المتعلقة بسرطان البروستات أو الانتحار أو الأمراض المهنية غالبًا ما “تسير في مسارات متوازية لا تلتقي”، على حد وصف تشيكوفوري، ومن دون ذلك الزخم المؤسسي أو الدعم المجتمعي المستدام الذي أسهم، بحقّ، في دفع التقدم الكبير الذي شهدته صحة المرأة خلال العقود الماضية.

الفجوة ليست قَدرًا بيولوجيًا

قد يبدو الفارق في متوسط العمر المتوقع بين الرجال والنساء، في جميع بلدان العالم تقريبًا، وكأنه حقيقة راسخة لا تقبل الجدل، لكنه في الواقع أبعد ما يكون عن ذلك. ففي بعض البلديات النرويجية التي تتمتع بظروف اجتماعية أفضل، تكاد هذه الفجوة تتلاشى تمامًا. وهذه حقيقة يصعُب تفسيرها بالبيولوجيا وحدها.

وقد وثّق الدكتور فيغارد سكيربيك، من جامعة أوسلو وقائد مشروع هوم (HOMME) المموّل من المجلس الأوروبي للبحوث، وأحد أبرز الجهود المنهجية والتنظيمية لفهم دول عمر الرجال في مختلف السياقات، وثّق حالاتٍ لمجتمعات تتقارب فيها أعمار الرجال المتوقعة إلى حد كبير مع أعمار النساء. ويقول: “نحن ندرس مجتمعات لا يقتصر الأمر فيها على بقاء الرجال على قيد الحياة لفترة أطول، بل يزدهرون أيضًا ويتمتعون بأعمار تقارب أعمار النساء. كما نسعى إلى فهم أسباب التفاوتات الصحية الكبيرة بين الرجال أنفسهم، وهي تفاوتات تفوق في حجمها ما نلاحظه بين النساء. وهذا التباين يُضعف الفرضية القائلة إن الفجوة حتمية أو ناتجة عن أسباب بيولوجية بحتة”.

تكشف نتائج المشروع أن المجتمعات التي يتمتع فيها الرجال بصحة أفضل تتشارك مجموعةً من المقوّمات الأساسية: عملٌ يمنح الإنسان شعورًا بالمعنى والجدوى، وعلاقات اجتماعية تحدّ من العزلة، وفرص تعليم وعمل تفتح آفاقًا أوسع للمستقبل، وبيئات تشجّع الخيارات الصحية بدلاً من تمجيد السلوكيات القائمة على المخاطرة وإيذاء الذات. ومن هنا، يرى سكيربيك أن الفجوة في معدلات الوفيات “لا تُفسّر بالبيولوجيا وحدها، بل تتشكل إلى حد كبير بفعل شبكة من العوامل السلوكية والاجتماعية والتجارية. فثقافة المخاطرة، والتردد في طلب المساعدة تحت وطأة الصور النمطية التقليدية للرجولة، والمخاطر المرتبطة ببعض المهن، جميعها تسهم في رسم هذه الصورة. وإلى جانب ذلك، تقف صناعاتٌ بأكملها مستفيدةً من هذه المعادلة؛ من التبغ والكحول إلى القمار والأغذية فائقة المعالجة، وهي صناعات تستهدف الرجال بصورة أكبر وتجعلهم أكثر عرضةً للمخاطر الصحية”.

ومع ذلك، يبقى جانبٌ أساسي من القصة غائبًا بشكل لافت عن معظم النقاشات التي تُعقد خلال أسبوع صحة الرجال: المحددات التجارية للصحة —أي الصناعات التي تجني أرباحها بصورة مباشرة من تدهور صحة الرجال وارتفاع معدلات الوفيات بينهم. وقد كانت ورشة بروشير (Brocher) صريحةً في هذا الشأن: صناعة الكحول لا تكتفي بتسويق منتجاتها، بل تبني استراتيجياتها التسويقية على تكريس الصور النمطية للرجولة واستثمار مشاعر العزلة الاجتماعية. وعلى المنوال نفسه، تستفيد شركات الأغذية فائقة المعالجة من أعباء الرعاية وضيق الوقت اللذين يثقلان حياة كبيرٍ من الأفراد. ومع ذلك، لا تزال الصحة العامة بطيئةً في تطوير استجابات ترتقي إلى حجم هذه الأضرار واتساع آثارها.

وفي هذا السياق يقول الدكتور تشيكوفوري: “إن صحة الرجال قضية إنصاف وعدالة على المستوى العالمي. فإذا أهملناها، فإننا نسمح بتعميق الانقسامات الاجتماعية ونهيئ المجال للحركات السامّة التي تستثمر في أوضاع الحرمان والتهميش التي يعيشها بعض الرجال. أما إذا تبنّينا منظورًا جندريًا يشمل الرجال أيضًا، فسنكون أكثر قدرةً على بناء مجتمعات أكثر صحة وأشدّ قدرة على الصمود، يستفيد منها الجميع”.

الإطار الضيّق وكلفتُه الخفيّة

على مدى عقود، ارتبط مفهوم “النوع الاجتماعي والصحة” عمليًا بالصحة الإنجابية للنساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين الخامسة عشرة والتاسعة والأربعين. ويكاد الخبراء الثلاثة يُجمعون على خلاصةٍ واحدة: هذا الإطار الضيّق لم يترك أحدًا خارج دائرة الخسارة.

فمن جهة، حُرم الرجال من اهتمام أكبر للسياسات بقضايا مثل الانتحار، والصحة النفسية، والأمراض المهنية، والأمراض المزمنة التي تودي بحياتهم في سنّ مبكرة، وفي مقدمتها أمراض القلب والأوعية الدموية. ومن جهة ثانية، لم تكن النساء بمنأى عن هذه الكلفة. فكما تشير البروفيسورة ثيوبالد، فإن اختزال المرأة في إطار الصحة الإنجابية يختزلها، ضمنيًا، في قدرتها على الإنجاب، ويترك الاحتياجات الصحية للفتيات المراهقات، والنساء الأكبر سنًا، وكل من تقع خارج المرحلة الإنجابية، على هامش الاهتمام. أما الفئة العمرية بين الخامسة عشرة والتاسعة والأربعين فليست معيارًا بيولوجيًا بقدر ما هي تصنيفٌ إداري ورثته السياسات السكانية عبر الزمن. والأكثر دلالة أنه لا يوجد ما يقابله أصلاً لدى الرجال.

من ناحيته، يضيف تشيكوفوري بعدًا آخر قلّما يظهر في مثل هذه التحليلات، ألا وهو أن كلفة هذا الإطار لا تتوقف عند الأفراد، بل تمتد إلى الأسر نفسها. ويستحضر تجربة تعود إلى أواخر تسعينيات القرن الماضي، عندما قصد إحدى عيادات صحة الطفل بصفته أبًا شابًا، فاستقبلته إحدى الممرضات بتعليق مازح: “أين الأم؟ نحن معتادات على رؤية الأمهات هنا، لا الآباء”. قد يبدو الموقف عابرًا، لكنه في نظره يكشف عن حقيقة أعمق، فهو يجسّد الطرق المتعددة التي يُدفع بها الرجال بعيدًا عن منظومة الرعاية الصحية، ليس لأنهم لا يرغبون في الحضور أو المشاركة، بل لأن الأنظمة نفسها اعتادت أن تُبنى على افتراض غيابهم. وفي هذا يقول: “الرجال أكثر ميلاً بكثير إلى زيارة الطبيب بصورة منتظمة، وعندما يفعلون ذلك يكون المرض غالبًا في مرحلة أكثر تقدمًا. ومع ذلك، فإن الصورة النمطية التي تصف الرجال بأنهم مترددون في طلب الرعاية الصحية قد تكون مضلّلة. فالمشكلة الأكبر قد لا تكمن في مقاومة الرجال للرعاية بقدر ما تكمن في تصميم الأنظمة الصحية نفسها، وفي البنية الاجتماعية والجندرية التي تحدد الأدوار المتوقعة منهم يوميًا”.

البِركة التي تتجاهلها الصحة العامة

إذا كان تشبيه “البِركة” الذي بدأت به القصة يقودنا إلى البحث عن مصدر الخلل بدل الاكتفاء بملاحظة نتائجه، فإن أكثر صور هذه البِركة المهملة إلحاحًا اليوم تتمثل فيما يُعرف بـ”المانوسفير” (Manosphere) أو ما قد يُصطلح عليه في العربية “الفضاء الذكوري الرقمي”. يتفق الباحثون الثلاثة على أن الفضاءات الرقمية التي تتمحور حول مظالم الرجال وخطابات كراهية النساء لم تعد مجرد ظاهرة هامشية على الإنترنت، بل تحولت إلى قضية صحة عامة حقيقية. والأخطر من ذلك أن بطء قطاع الرعاية الصحية في إدراك هذه الحقيقة أصبح جزءًا من المشكلة نفسها.

فالمانوسفير لا يخلق مشكلات الرجال من العدم، بل يجد في مشكلات قائمة بالفعل أرضًا خصبة للنمو والانتشار: الوحدة، والبطالة، وتدهور الصحة النفسية، والتهميش الاقتصادي. لكن فشل الصحة العامة في الوصول إلى الرجال حيث يوجدون، بما في ذلك الفضاء الرقمي، ترك فراغًا واسعًا، ولم يلبث هذا الفراغ أن امتلأ.

ويقول تشيكوفوري: “إن آثار هذه الظاهرة قابلة للقياس وعلى مستوى المجتمع بأكمله؛ من تصاعد العنف القائم على كراهية النساء، إلى ارتفاع مخاطر الانتحار والتطرف، وصولاً إلى تآكل قدرة الشباب على بناء علاقات صحية وروابط اجتماعية متينة”. ويضيف: “كل ذلك يضعها بوضوح ضمن نطاق قضايا الصحة العامة. لكنّ التعامل معها باعتبارها قضية طبية أو أمنية بحتة قد يخطئ الهدف. فالإطار الأكثر فاعلية هو الوقاية من المنبع، أي الاستثمار في الظروف الاجتماعية والاقتصادية، وتعزيز البنية التحتية للصحة النفسية، وتقديم تصورات أكثر شمولاً وتوازنًا للرجولة، بما يقلل من قابلية الشباب للانجذاب إلى هذه الخطابات منذ البداية”.

أما سالي ثيوبالد، فترى أن عامل الوقت أصبح أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. وتقول: “إن المانوسفير وتأثيراته يواصلان التوسع عالميًا، ولهما تداعيات واسعة النطاق على الصحة العامة للجميع—النساء والرجال وغيرهم. وإذا لم تنخرط الصحة العامة في قضايا النوع الاجتماعي وصحة الرجال، فإننا نجازف بترك النقاش حول الرجولة ومعاناة الرجال يتشكل على أيدي جهات أخرى، بما في ذلك الأصوات المهيمنة داخل المانوسفير”. وترى ثيوبالد أن الاستجابة الحقيقية لا يمكن أن تسير في مسارٍ واحد، بل في مسارين متوازيين: الحدّ من الأضرار المرتبطة بمحتوى المانوسفير من جهة، ومعالجة العوامل البنيوية العميقة التي تدفع بعض الرجال إلى الانجذاب إليه من جهة أخرى.

تغيير البيئة عبر تنقية البِركة

أسبوع صحة الرجال مجردُ أسبوع من الزمن، أما تغيير البيئة عبر تنقية البِركة التي تعيش فيها الأسماك فهو مشروع أطول عمرًا وأبعد أثرًا. ومع ذلك، خرجت ورشة بروشير بحقيقة يصعب تجاهلها: في المجتمعات التي تتوافر فيها الظروف الاجتماعية الملائمة، تكاد الفجوة في متوسط العمر المتوقع بين الرجال والنساء أن تتلاشى. وهذا يعني أن ما يواجهه الرجال ليس قدرًا بيولوجيًا محتومًا، ولا قضيةً هامشية تخصّ فئةً بعينها، بل انعكاسٌ لظروفٍ يمكن تغييرها.

  • نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة غلوبال 50/50، ويعاد نشره هنا بإذنٍ منها.