اليوم الدولي للتمريض: نحو فهم جديد للمهنة

هوارد كاتون، الرئيس التنفيذي، المجلس الدولي للممرضين والممرضات
اليوم الدولي للتمريض ليس مجرد مناسبة لشكر العاملين في هذا المجال، بل هو فرصة أيضًا لطرح تساؤل أكبر: هل يفهم العالم حقًا طبيعة مهنة التمريض وما تسهم في تحقيقه؟
في ظل الضغوط الهائلة التي تتعرض لها النظم الصحية، نتيجة لنقص العمالة، وارتفاع معدلات الشيخوخة، والصراعات، وارتفاع التكاليف، وتزايد عدم المساواة، تتسم مهنة التمريض بدرجة من الأهمية لا تسمح بإساءة فهمها أو التقليل من قيمتها.
كثيرًا ما يوصف التمريض بأنه العمود الفقري للرعاية الصحية؛ وعلى ما في ذلك من إشادة، يظل الوصف قاصرًا عن الإحاطة الكاملة بحقيقة التمريض الحديث؛ فالممرضون والممرضات لا يقتصر دورهم على دعم النظم الصحية من خلف الكواليس، إذ يعد التمريض أحد أكثر المهن موثوقية وتأثيرًا على مستوى العالم، وتعد كوادره عنصرًا حاسمًا في نجاح المنظومة الصحية أو فشلها.
في كل يوم، يعمل الممرضون والممرضات على تحسين سبل الوصول إلى الرعاية، وتعزيز منظومة الرعاية الصحية الأولية، والوقاية من الأمراض، والاستجابة للطوارئ، ودعم المجتمعات، والحفاظ على سلامة المرضى. وفي كثير من البلدان ومناطق الأزمات، تصبح كوادر التمريض أهم عنصر يعتمد عليه الناس في المنظومة الصحية؛ وفي بعض الأحيان يكونون هم الوحيدين المتاحين بصفة مستمرة من بين العاملين في المجال الصحي.
والدليل على ذلك واضح؛ فعندما تستثمر الدول في التمريض، تتحسن نتائج المرضى، وتزداد النظم الصحية قوة، وتتحسن صحة المجتمعات. غير أن التمريض لا يزال، في كثير من الأحيان، يُنظر إليه بالأساس على أنه تكلفة يتعين ضبطها لا بوصفه استثمارًا استراتيجيًا.
هنا تبرز أهمية التعريف الجديد الذي وضعه المجلس الدولي للممرضين والممرضات لكل من التمريض والممرض.
يمثل هذا الإجراء أول تعديل كبير في التعريفات منذ عقود، ويتزامن مع تغيرات سريعة يشهدها مجال الرعاية الصحية؛ فالنظم الصحية تواجه اليوم تحديات لم يكن للأجيال السابقة أن تتصورها، مثل الأمراض المزمنة، والكوارث المرتبطة بالمناخ، والتغير التكنولوجي، والنزوح الجماعي، وهجرة القوى العاملة، وعدم الاستقرار العالمي المتزايد.
التعريفات مهمة لأنها تُشكل تصورات الناس للمهن، وما يوجهونه لها من تقدير ودعم، كما أنها تؤثر على التعليم، واللوائح التنظيمية، وتخطيط القوى العاملة، والقرارات المتعلقة بالسياسات. ومن شأن تعريف التمريض من زاوية أضيق مما ينبغي أن يفرض قيودًا على الممرضين والممرضات، فيختزل النظرة إليهم في مجرد تنفيذ المهام بدلًا من تقديرهم على ما يقدمونه يوميًا في رعاية المرضى من معارف وقرارات ومسؤولية مهنية.
وفي هذا السياق، يعكس التعريفان الجديدان اللذان وضعهما المجلس الدولي للممرضين والممرضات واقع التمريض الحديث؛ فالتمريض لا يقتصر على تنفيذ المهام فحسب، بل يتضمن أيضًا عملية مستمرة من تقييم المواقف، واتخاذ القرارات، وحل المشكلات، والتواصل، ومناصرة حقوق المرضى، والتكيف في بيئات سريعة التغير كثيرًا ما يتعذر التنبؤ بها، والرعاية الصحية المأمونة تعتمد على ذلك التقدير المهني.
يعمل الممرضون والممرضات اليوم في جميع سياقات الرعاية الصحية؛ في المستشفيات، ومراكز الرعاية الصحية الأولية، والصحة النفسية، ورعاية المسنين، وحالات الطوارئ الإنسانية، والمدارس، والمجتمعات، والبحث العلمي، والقيادة، والصحة الرقمية، والسياسات الحكومية، وما يقدمونه يتجاوز بكثير مجرد الرعاية؛ فهم يرتقون بالوعي الصحي، ويُصممون الخدمات، ويقودون الفِرَق، ويتبعون الدليل، ويعززون المجتمعات، ويُسهمون في صوغ السياسات الصحية.
ومن المهم أن التعريف الجديد للتمريض الذي وضعه المجلس يبدأ بإقرار أن التمريض التزام بالحفاظ على حق كل شخص في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة. وتكمن الأهمية هنا في أن التمريض لا يتعلق فقط بمعالجة الأمراض، بل يشمل أيضًا حماية حقوق الإنسان، والحد من عدم المساواة، ومنع الضرر، وتحسين الصحة لجميع السكان.
وهذا لا يهم الممرضين والممرضات وحدهم، بل الحكومات أيضًا التي تبحث عن حلول للتحديات الصحية المتفاقمة.
تواجه النظم الصحية صعوبات في جميع أنحاء العالم بسبب نقص القوى العاملة، وتزايد الطلب، وتفاقم الضغوط المالية، وتفرض الأزمات الإنسانية والصراعات مزيدًا من الضغوط على نظم هشة أصلًا. وفي مثل هذه المواقف، كثيرًا ما يكون كادر التمريض هم من يحافظون على تماسك منظومة الرعاية الصحية؛ فيضطلعون بحماية الصحة والكرامة الإنسانية على السواء في ظروف بالغة الصعوبة.
لكن لا يمكنهم الاستمرار إلى الأبد في تقديم المزيد بإمكانات محدودة.
إذا ما أردنا تقوية نظمنا الصحية، فعلينا أن ننتقل من مجرد الإشادة بالممرضين والممرضات إلى الاستثمار في التمريض بالشكل الملائم.
إن رسالة اليوم الدولي للتمريض هذا العام واضحة: تمكين الممرضين والممرضات ينقذ الأرواح.
والتمكين ليس مجرد شعار، بل يعني أن نوفر للممرضين والممرضات التعليم، واللوائح التنظيمية، والكوادر الكافية، والفرص القيادية، والحماية، وظروف العمل العادلة، بما يمكنهم من أداء عملهم بأمان وفعالية.
كما يعني الاهتمام بالممرضين والممرضات أنفسهم.
يعمل عدد كبير جدًا من الممرضين والممرضات تحت ضغط مستمر، فيتعرضون للإنهاك، ويواجهون مستويات غير آمنة من نقص الكوادر، والعنف، وسوء ظروف العمل. كما يترك عدد متزايد منهم بلدانهم لأنهم لا يجدون فيها الأمان، ولا الدعم، ولا الفرص. ولا يمكن للنظم الصحية أن تستمر في ظل إرهاق العاملين في التمريض والتقليل من شأنهم.
التوظيف الملتزم بالأخلاقيات، وظروف العمل العادلة، ودعم رفاه الممرضين والممرضات ليست كماليات، بل هي أمور ضرورية لبناء نظم صحية مستدامة.
ويعزز التعريف الجديد للممرض/الممرضة هذا المفهوم من خلال الاعتراف بكادر التمريض بوصفهم ممارسين مؤهلين علميًا، ومرخصين تنظيميًا، ومسؤولين مهنيًا؛ إذ إن ثقة الجمهور في التمريض لا تُبنى على التعاطف فحسب، بل أيضًا على الكفاءة والأخلاقيات والمعايير المهنية.
ونحن نحتاج الجانبين معًا.
وتكمن الأهمية الأشمل للتعريفين الجديدين في أنهما يقدمان للحكومات، والمعنيين بالتعليم، والجهات التنظيمية، وقادة القطاع الصحي فهمًا عصريًا وموحدًا للتمريض؛ إذ يسهمان في ضمان تعريف التمريض بناء على واقع الممارسة المعاصرة، لا وفقًا لتصورات نمطية بالية أو افتراضات محدودة.
ويكتسي ذلك النقاش أهمية خاصة في المحافل العالمية مثل مؤتمر القمة العالمي للابتكار في الرعاية الصحية (ويش)؛ فلا يزال التمريض، في كثير من الأحيان، مختزلًا في دور تنفيذي يُستدعى بعد اتخاذ القرارات بالفعل، وهذا النهج بعيد تمامًا عن جوهر المسألة.
فالتمريض له دور محوري في كثير من الحلول التي تسعى إليها النظم الصحية؛ مثل الوقاية، والرعاية المجتمعية، وبناء الثقة، والقدرة على الصمود، والاستدامة، وتحقيق الإنصاف.
وليس التعريفان الجديدان مجرد حبر على ورق، بل هما أساس يُبنى عليه العمل، وسيقاس نجاحهما بمدى إسهامهما في تعزيز الاستثمار في تعليم التمريض، وتحسين سياسات القوى العاملة، وتوفير رعاية أكثر مأمونية، وضمان تنقل مهني أخلاقي للعاملين، وتعزيز الدور القيادي للتمريض في النظم الصحية بجميع أنحاء العالم.
وإذا ما أرادت الدول شعوبًا أوفر صحة، واقتصادات أكثر قوة، ونظمًا صحية أقدر على الصمود والتكيف، فعليها أن تتوقف عن التعامل مع التمريض باعتباره تكلفة بحاجة إلى إدارة، وأن تبدأ في النظر إليه بوصفه أحد أذكى الاستثمارات الممكنة.
إن التعريفين الجديدين الصادرين عن المجلس الدولي للممرضين والممرضات يساعدان في إبراز هذه الفكرة بوضوح، وعلى العالم أن يولي الاهتمام اللازم بها.
يشغل السيد هوارد كاتون منصب الرئيس التنفيذي للمجلس الدولي للممرضين والممرضات، وهو مناصر قوي للعاملين في مجال التمريض، وللدور التحويلي الذي تنطوي عليه هذه المهنة، كما يحظى بالاحترام والتقدير بوصفه أحد القادة البارزين في مجال الصحة العالمية. ومن خلال شبكة المجلس التي تضم أكثر من 140 رابطة وطنية للتمريض، يعمل كاتون على دعم الممرضين والممرضات باعتبارهم العمود الفقري للنظم الصحية وعنصرًا أساسيًا في تحسين النتائج الصحية.