دعم رفاه الشباب كأولوية قصوى في ظل عالمنا المثقل بالأعباء

شاهناز بارودي، أخصائيةً نفسية – مؤسسة قطر
ينمو الشباب في مختلف أنحاء العالم حاليًا في فترة تعجّ بالتحولات الكبرى، حيث يثقل كاهلهم توقّعات كثيرة وتظلهم غمامات من عدم اليقين. وخلال مشاركتي كمتحدث رئيسي في الجلسة النقاشية “عقولٌ سليمة داخل المدرسة: دعم رفاهية الطلاب”، التي استضافها مؤتمر القمة العالمي للابتكار في الرعاية الصحية “ويش” بالاشتراك مع 3-2-1 متحف قطر الأولمبي والرياضي، أُتيحت لي فرصة الإصغاء مباشرةً إلى الطلاب وهم يروون تحدياتهم وتطلعاتهم. وأكثر ما بقي عالقًا في ذهني من ثمار هذه الجلسة النقاشية هو أن الحديث عن الصحة النفسية للشباب لا يكفي وحده؛ فالأهم أن نصغي إليهم بصدق. فعندما يستشعر الشباب حسن الإنصات إليهم والتعامل معهم على محمل الجد، تتعزّز لديهم مشاعر الأمان حتى وإن كان العالم يزداد غموضًا من حولهم.
وقد أبرزت هذه الحوارات كيف أن الكثير من الشباب في الوقت الحاضر يواجهون مشاكل عاطفية أشد خطورةً من تلك التي واجهتها الأجيال السابقة. فمن عبء التفوّق الدراسي إلى سيل الأحداث المتسارع، تتراكم أمامهم التحديات وتثقل الهموم كاهلهم. وتشير المعاهد الوطنية للصحة وغيرها من الجهات الصحية إلى تزايد ملحوظ في مشكلات الصحة النفسية بين الشباب، بما في ذلك ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب والتوتر.
وليس هنالك من علّة واحدة تقف وراء هذه التحديات؛ بل هي حصيلةُ عواملٍ متداخلة. ففي زمنٍ تتغلغل فيه وسائل التواصل والتكنولوجيا الرقمية في كل زاوية من حياتنا، بات الشباب ينظرون إلى أنفسهم بعيونٍ مختلفة. فهم يقارنون ذواتهم بغيرهم، وتراودهم الريبة بشأن شعورهم بالاندماج. كما ازداد الضغط لتحقيق التفوق الدراسي، حتى غدا في كثير من الأحيان مصدرًا للتوتر أكثر منه دافعًا للتقدم. ويكبر كثيرٌ منهم في عالمٍ يبدو متقلّبًا، تتلاحق فيه الأحداث وتتصاعد فيه التوترات، فتترك هذه التجارب أثرها على صحتهم النفسية مع مرور الوقت، حتى وإن لم يظهر ذلك دائمًا للعيان.
ومن خلال عملي مع الناس، أدركت أن ما يؤثر فيهم لا يقتصر على الأحداث الكبرى، بل يمتدّ إلى ذلك الشعور الخفي بأن العالم من حولهم غير ثابت؛ حين يختلُ روتينهم، ويخيّم القلق على من يحيط بهم. ولربما يعجز الشباب عن التعبير عن مخاوفهم، لكنهم في أمسّ الحاجة إلى من يبث الطمأنينة في نفوسهم.
ذاك ما يدفع المدارس والأسر والمجتمعات المحلية إلى التساؤل عن السبل التي يمكنهم من خلالها دعم الصحة النفسية للشباب في عالم أصبحت شيمته التوتر وعدم اليقين.
وحقيق علينا، بدلاً من البحث عن حلول سريعة، أن نمعن التفكير فيما يحتاجه الشباب أكثر من أي شيء آخر عندما تسيطر عليهم مشاعر القلق وعدم اليقين؛ فهم يعوزهم الإحساس بالاستقرار، والتواصل، وإدراك أنهم ليسوا وحدهم، وأن أصواتهم مسموعة، وأنهم محل اهتمام، وأنهم آمنون.
أو ليس التأثير التدميري للأماكن المسببة للتوتر على طريقة تفكير الناس هو أحد المخاوف الرئيسية التي نعيشها؟ فالشباب يدركون تمامًا ما يدور حولهم من أحداث. وحتى عندما لا يكونون طرفًا مباشرًا في الأمر، غالبًا ما يشعرون بالتوتر الذي ينتاب من حولهم عندما تتغير عاداتهم أو يتسرب الخوف إلى أحاديثهم.
لقد لاحظتُ مدى سرعة استشعار الأفراد لهذه الإشارات خلال عملي معهم. ففي بعض الأحيان، لا يعرفون حتى ما الذي يجري، لكنهم يشعرون بأن هناك شيئًا ما غير صحيح.
وقد ذكرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) أن التوتر الذي يستمر لفترة طويلة، سواء كان ناتجًا عن الضغوط الأكاديمية أو التوقعات الاجتماعية أو الأحداث المهمة، يمكن أن يسبب اضطرابات بالنوم والتركيز والمزاج والسلوك. الأمر الذي لربما يجعل الفرد سريع الغضب، أو يرغب في العزلة، أو يفقد الاهتمام، أو يواجه صعوبةً في التركيز داخل الفصل الدراسي. وهي ردود أفعال لا تشير إلى حالة من الضعف، بقدر ما هي ردود أفعال طبيعية لعقل شاب يحاول فهم عالم أصبح ديدنه التعقيدات المتشابكة.
وربما يشعر بعض الأشخاص، لا سيما أولئك الذين يتسمون بحساسية أكبر أو يعانون من صعوبات في التعلم، بالارتباك حتى عند حدوث تغييرات طفيفة. ولقد لاحظت مرارًا شعور الطلاب، الذين عهدنا عليهم الهدوء، بالاضطراب أو القلق أو سرعة التذمر عندما تختل أنشطتهم الروتينية المعتادة. وليسوا هم الآن بحاجة إلى تفسير سبب ما يحدث. فهو مجرد إحساس ينتاب المرء بشأن مشاعره. ويمكن للشباب العودة إلى المسار الصحيح حتى عندما لا يستطيعون تغيير البيئة المحيطة بهم، شريطة أن يشعروا بالأمان العاطفي.
وعلينا بدلاً من محاولة التخلص من جميع مصادر التوتر، وهو أمر لا يمكن تحقيقه دائمًا، أن نسعى إلى تهيئة بيئات يشعر فيها الشباب بالدعم والتواصل، وبأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة الصعوبات.
ولا يمكننا بأي حال من الأحول أن نغفل مدى أهمية إقامة علاقات داعمة لهم. فوجود روابط إنسانية متينة ومليئة بالتعاطف يُعدّ أحد أهم ركائز الصحة النفسية الجيدة. ومتى كان الكِبار من حول الشباب هادئين، ومتاحين، ويصغوّن جيدًا، يصبح الشباب أكثر قدرةً على التكيّف مع الضغوط. وغالبًا ما أسمع من الأطفال أن أكثر ما يساندهم هو معرفتهم بوجود من يستمع إليهم دون حكمٍ أو محاولةٍ فورية لإصلاح كل شيء.
إن الإصغاء الحقيقي للشباب أمرٌ جوهري؛ فهو يتحقق من صدق مشاعرهم، ويبني الثقة لديهم، ويعزّز تقدير الذات عندهم، ويساعدهم على الشعور بالقيمة لأنفسهم بدلاً من تجاهلهم. وكل ذلك عندهم من الأهمية بمكان لفهم رؤاهم الخاصة لتحديات هذا العصر، ويهيّئهم لتحمّل مسؤولية مستقبلهم.
جدير بالذكر أن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) أجرت بحثًا كشف أن البيئة المدرسية الإيجابية والروابط الأسرية القوية ترتبطان ارتباطًا مباشرًا بانخفاض مستويات القلق وتحسن التكيف العاطفي. ولا يعني ذلك أن على الكِبار دائمًا توفير كل الحلول؛ بل إن الشباب غالبًا ما يشعرون براحةٍ أكبر حين يعترف الكِبار من حولهم بصعوبة الأمور، مع الحفاظ في الوقت نفسه على هدوئهم وحضورهم الداعم.
وبإمكان المدارس أن تعزّز شعور الأمان لدى الطلاب من خلال تفاصيل بسيطة: كأن يُنادَى الطالب باسمه، أو أن يكون لليوم نظامٌ واضح يمنحه الإحساس بالاستقرار، أو عقد حوار يشعر فيه الطفل بحسن الإنصات إليه دون استعجاله. وبمقدور هذه الأشياء البسيطة أن تُحدث فرقًا كبيرًا في يوم الطالب. فعندما يشعر الشباب بأنهم محل اهتمام واحترام، تزداد قدرتهم على التعامل مع الضغوط ويؤمنون بإمكانية حل المشكلات.
ولا يشترط في البيئة الداعمة أن تكفل فك كل التعقيدات. بيد أنها تساعد الشباب على التعامل مع المعضلات من خلال منحهم القوة العاطفية التي يحتاجون إليها.
ومن المهم أيضًا إدراك الاختلافات في استجابات الشباب للضغوط. فمنهم من يتسم بالهدوء والانسحاب، بينما يستحوذ على آخرين سرعة الغضب أو القلق أو صعوبة في التركيز. ولربما يٌخطئ البعض في تفسير هذه المشاعر أحيانًا على أنها عيوب، رغم أنها في الحقيقة إشاراتٌ على شعورٍ عميق بالإرهاق. وكثيرًا ما ألحظ من خلال عملي مع الشباب أن السلوك الذي نراه غالبًا ما يكون مجرد غيض من فيض فيما يتعلق بمشاعرهم الحقيقية. فلربما لا زالوا يفتقرون إلى المفردات اللازمة للتعبير عن مشاعرهم.
ويظهر هذا التباين في طريقة تعامل الشباب مع الضغوط بشكل أوضح لدى التلاميذ الذين يعانون من اضطرابات النمو العصبي، مثل اضطراب طيف التوحد، حيث يحتاجون إلى روتين وإلى بيئة يمكن التنبؤ بها ليشعروا بالأمان. فتلك التغيرات المحدودة في أعين الكِبار قد تكون من الأمور الجِسام عند هؤلاء الأطفال. وعندما تصير الأوضاع غير متوقعة، قد تصبح ردود أفعالهم أكثر حدة، ليس لأن قدراتهم أقل، بل لأنهم في حاجة أكبر إلى الاستقرار.
وكثيرًا ما أذكّر الأسر والمعلمين بأن العقل يستطيع التفكير بوضوح أكبر عندما يشعر الجسد بأمان أكبر. فمجرد لحظات قصيرة من الحركة، أو بضع أنفاس بطيئة، أو مساعدة الشاب على التركيز على ما يراه ويشعر به من حوله، كل ذلك يمكن أن يعيد إليه الشعور بالسيطرة، حتى عندما يتعذر تغيير الموقف نفسه.
وحينما نفهم هذه الاختلافات، نتذكر أن مساعدة الشباب على الحفاظ على صحتهم لا تعني توقع أن يتصرفوا جميعًا بالطريقة نفسها. بل تعني توفير أماكن تلبي الاحتياجات المتنوعة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قدر كافٍ من الاتساق بحيث يمكن للجميع الاعتماد عليها. فعندما يشعر المراهقون بالانتماء، غالبًا ما يتمكنون من التعامل مع الضغوط بشكل أفضل.
وعندما أتعامل مع الطلاب وأسرهم، غالبًا ما أدرك أن الشباب أذكى مما نعتقد. ومتى يغير الآباء عاداتهم، أو حين تتوتر الأجواء من حولهم، يلاحظ الأطفال ذلك. وعادةً ما يشعرون بأن هناك خطبًا ما عندما نحاول منعهم من خوض محادثات صعبة. فهم لا يريدون دائمًا أن نقدم لهم التفسيرات في تلك الظروف، بل ما يهمهم هو الشعور بأن الكِبار من حولهم يتمتعون بالاستقرار.
وعلى مدار السنين، اكتشفت أن الطريقة التي نتعامل بها مع الأطفال هي التي تبعث على الطمأنينة أكثر مما نقوله. فعندما يكون الكِبار حاضرين من أجل الشباب، ويتصرفون بثبات، ويبدون استعدادًا للاستماع، يشعر الشباب بأنهم أقل وحدة في مواجهة مخاوفهم. ولقد رأيت طلابًا يهدئون لمجرد أن أحدًا حولهم خصص الوقت الكافي للجلوس معهم والاستماع إلى ما يمرون به، أو للحفاظ على روتينهم اليومي حينما أحاط الشك بكل شيء من حولهم. وهذه اللحظات الصغيرة من التواصل يمكن أن تساعدك على الشعور بتوازن أكبر مما تفعله التفسيرات.
وقد عزّزت هذه التجارب قناعتي بأن الصحة النفسية يجب أن تكون جزءًا أصيلاً من أي نقاشٍ حول الصحة والتعليم. ومع استمرار الحوارات العالمية، وفي مقدمتها تلك التي يعقدها مؤتمر القمة العالمي للابتكار في الرعاية الصحية، من الضروري التذكير بأن الشباب يصبحون أكثر قدرةً على الصمود حين يشعرون بالأمان، والارتباط، واستيعاب مشاعرهم حتى عندما يصبح العالم من حولهم أكثر صعوبة.
وعندما يمر الأفراد بضغوط شديدة، فإن مساعدتهم على الشعور بتحسن لا تعني بالضرورة إيجاد حلول وافية لهذه الضغوط. بل تكون العلاقات الوطيدة، والبيئة المستقرة، والمجتمعات التي تتفهم الاحتياجات العاطفية للأطفال والمراهقين هي العوامل التي تُحدث الفارق الأكبر في كثير من الأحيان. وغالبًا ما يكون الشباب أكثر قدرةً على التعامل مع المشاكل التي لا يمكنهم دائمًا تجنبها عندما يشعرون بالحماية والتقدير والدعم.
ومن جانبهم، يستهدف المهنيون في مجال الصحة والمعلمون ضمان أن تكون الصحة النفسية دائمًا جزءًا من التخطيط، وليس مجرد استجابةٍ طارئةٍ للأزمات. ويجدر بالمدارس والأسر والأنظمة الصحية أن تتعاون معًا حتى يتسنى لنا إحاطة أبنائنا من الشباب بمظلة الأمان في هذا العالم سريع التغير من حولنا.
وفي الختام، نؤكد على أن رعاية الحياة العاطفية للشباب ليست هدفًا تعليميًا فحسب، بل هي مسؤولية إنسانية تُسهم في بناء مجتمعاتٍ أكثر صحةً وصلابةً، من خلال التأكيد على الرفاه كأحد الركائز الأساسية لكل الحوارات المتعلقة بالصحة.
تعمل شاهناز بارودي أخصائيةً نفسية إكلينيكية في مؤسسة قطر، حيث تدعم الأطفال والمراهقين والأسر في فهم مشاعرهم، والتعامل مع التحديات المختلفة، وتعزيز شعورهم بالدعم النفسي. تعتمد في عملها على أساليب علاجية متقدمة، من بينها العلاج السلوكي المعرفي (CBT)، والعلاج الجدلي السلوكي (DBT)، والمناهج العلاجية القائمة على فهم الصدمات النفسية.
وتتمتع بخبرة واسعة في العمل مع الطلبة من ذوي اضطراب طيف التوحد وصعوبات التعلّم، كما تساهم في مساعدة المدارس على بناء بيئات تعليمية داعمة وشاملة. وقد شغلت سابقًا منصب رئيسة الجمعية اللبنانية لعلم النفس.