تخطى إلى المحتوى الرئيسي

حين تلامس الصحة جوهر الإنسان: رحلة في رحاب أسبوع الدوحة للصحة

الأحد, يناير 25, 2026
حين تلامس الصحة جوهر الإنسان: رحلة في رحاب أسبوع الدوحة للصحة

فيصل الهتمي، مدير البرامج المجتمعية، مؤتمر ويش

عافيتك تبني الوطن؛ وروحك تمنحُه الحياة«  استلهامًا من روح أغنية التوعية الصحية “سلامتك” في ثمانينيات القرن الماضي.

في كلّ مرة أجول في رحاب المدينة التعليمية، والكاميرا في يدي، أزدادُ يقينًا بأنّ الإصغاء لا يكون دومًا بتبادل الكلمات. فقد عاينتُ، من خلال عدستي، كيف تحوّل أسبوع الدوحة للصحة (المعروف سابقًا باسم أسبوع الدوحة للرعاية الصحية) من مجرّد روزنامةٍ للفعاليات إلى منصّة حيّة تنبض بالحياة، تتلاقى فيها المجتمعاتُ لتتحدث وتتحرك وتختبر مفهوم الصحة بآنٍ معًا. ما بدأ كأسبوعٍ للتوعية، تطوّر ليصبح صوتًا جماعيًا، وإيقاعًا مشتركًا يجمع بين السياسات والناس.

عندما التحقتُ لأول مرة بمؤتمر ويش وكُلِّفتُ بقيادة الجلسة الافتتاحية من أسبوع الدوحة للصحة عام 2018، أدركتُ سريعًا أن التفاعل مع قضايا الصحة يمكن أن يكون ممتعًا. أجرينا في مراكز التسوق، ومنها دوحة فيستيفال سيتي، مجموعة من الفحوصات البسيطة: قياس ضغط الدم، ومحطات مؤشر كتلة الجسم، وتقديم إرشادات غذائية. وكنتُ أرى العائلات والطلاب وأفراد المجتمع من مختلف الجنسيات والمهن يتجمعون حولها مدفوعينَ بحالةٍ من الفضول. كانوا يبتسمون وهم يفحصون مؤشر كتلة أجسامهم، ويسألون عن التغذية، ويكتشفون أن العناية بالصحة لا تعني بالضرورة زيارة العيادات. على العكس، يمكن أن تبدأ في فضاءاتٍ مفتوحة، وسط الضحكات ورائحة القهوة بدلَ رائحة المطهّرات والمعقّمات. عندئذٍ فقط تعلمتُ أن التواصل هو المدخل الحقيقي للصحة السليمة.

في سنة 2020، ومع إعادة جائحة كوفيد-19 تشكيل تفاصيل حياتنا، انتقل أسبوع الدوحة للصحة إلى الفضاء الافتراضي بالكامل. وما كان يمكن أن يكون حالةً من الصمت والانقطاع، تحوّل إلى مساحةٍ نابضة بالتواصل والإبداع. استضفنا دروسًا للطهي عبر الإنترنت، وجلسات رياضية عائلية، وشاركتُ فيهما معًا. أتذكرُ أنني كنت أطبخ مع أطفالي، نتابع تعليمات الطاهي مباشرةً، ونضحك حين لا تشبهُ أطباقُنا ما أعدَّه. في لحظات العزلة تلك، وجدنا مجتمعًا. ومن خلف الشاشات، ومع الضحكات المشتركة، أدركنا أن الصحة ليست بحثًا عن المناعة فحسب، بل شعورٌ بالوحدة والتضامن أيضًا.

بحلول عام 2022، كانت قطر تنبض بطاقة كأس العالم لكرة القدم، وامتدّ هذا الزخم إلى أسبوع الدوحة للصحة. احتفلنا بناجين من السرطان وصفوا أنفسهم بالمحاربين لا بالمرضى، وأعادوا بقوّتهم تعريفَ معنى الصمود. أتذكر حديثي مع سيدة ابتسمت وقالت: “من فضلك لا تناديني ناجية – نادِني مقاتِلة”. تلك العقلية قلبت بوصلتي الداخلية. وفي الفترة نفسها، شكّلت حملة التبرع بالدم في المدينة التعليمية – بحضور سعادة الشيخة هند بنت حمد آل ثاني، نائب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي السابق لمؤسسة قطر – صورةً معبّرة عن الوحدة الوطنية. كنتُ أشاهدُ عمّال مؤسسة قطر يصطفّون بفخر للتبرع بالدم، وشعرتُ بالروح ذاتها التي غمرت قطر خلال كأس العالم: نبضٌ واحد، وغايةٌ واحدة.

لحظات تضامن: الاحتفاء بالمحاربين

وفي نسخة عام 2024 من أسبوع الدوحة للصحة، شاركتُ في جلسة “الإبداع الفنّي الواعي” التي قادتها جامعة فرجينيا كومنولث كلية فنون التصميم في قطر. في البداية، ترددت – فلم أصِفْ نفسي يومًا بالفنان. لكنْ ما إنْ امتزجت الألوان على القماش حتى بدأ الحوار يتدفق بسلاسة. تحدّث معلمون ومهنيون عن الإرهاق الصامت الذي يتراكم في تفاصيل الحياة اليومية، وتحوّل الرسمُ إلى لغةٍ مشتركة للتعبير عن المشاعر. في تلك الجلسة، أدركتُ أن الإبداعَ ليس مجرد تعبير، بل شكلٌ عميقٌ من أشكال الإصغاء؛ فعندما يُبدع الناس، يكشفون ما قد تُغفِله السياسات في كثيرٍ من الأحيان.

لاحقًا، قدّم عرضُ الفيلم المتحرك القصير “سليم” نوعًا آخر من الفهم. بعد العرض، وقف أحدُ الطلاب وقال بعفوية صادقة: “أشعرُ بسليم – أنا قويٌّ مثله”. في هذه العبارة البسيطة سكنت الحقيقةُ العاطفية للتنمّر والشجاعة. ذكّرني صوتُ ذلك الطفل، بنبرةٍ عفويةٍ خالصة، بأن الفهم الحقيقي ينبع من الناس الذين نسعى لخدمتهم – لا من الأرقام والبيانات وحدها.

وعندما أعود بذاكرتي إلى جذور شغفي بالصحة المجتمعية، أستحضر ذكرى من طفولتي: برنامجًا تلفزيونيًا بعنوان “سلامتك”. قبل مشاهدة الرسوم المتحركة المفضّلة لدينا، كان علينا متابعته. وكانت أغنيته المبهجة تقول: “صحتك، عافيتك، نتمنى لك السلامة والسعادة. أنت من يبني الوطن”. أصبحت تلك الكلمات جزءًا من تكويني. واليوم، وأنا أتجول بين أجنحة أسبوع الدوحة للصحة وأسمع الناس يسألون عن التغذية والتوتر وصحة الأسرة، أدرك أنني ما زلتُ أردد الرسالة نفسها “سلامتك”؛  صحتك قوّتك – وأساسُ تقدم وطننا”.

في “ملتقى” (مركز الطلاب بالمدينة التعليمية)، خلال أيام العافية، رأيتُ هذه الفكرة وهي تتحرك على أرض الواقع. طرح معلمون على مختصّي الرعاية الصحية أسئلةً قد لا يجرؤون على طرحها في العيادات الرسمية – عن الإرهاق الوظيفي، والخصوصية، والتعب العاطفي. كانت تلك اللحظات المشحونة بالثقة كاشفةً عمّا ينبغي للسياسات أن تُصغي إليه وتستجيبَ له. وأظهر التعاونُ بين مؤتمر ويش، وإدارة الصحة المهنية بمؤسسة قطر، ووزارة الصحة العامة، ومؤسسة الرعاية الصحية الأولية، ومؤسسة حمد الطبية، وشركاء أكاديميين مثل جامعة قطر وجامعة الدوحة للعلوم والتكنولوجيا وجامعة حمد بن خليفة، كيف يمكن للشراكة أن تحوّل الهواجسَ الفردية إلى أولوياتٍ مؤسسية. هناك، بدأ الإصغاءُ يرسمُ ملامحَ التصميم.

في وقت لاحق من ذلك الأسبوع، خلال “اليوم الترفيهي لأطفال لاجئي غزّة”، أصبحت البهجة لغةً أخرى للفهم. بفضل التعاون مع شركائنا في “أسبوع الفنون والصحة في الجنوب العالمي”، امتلأ المكانُ بإيقاع الطبول والضحكات والألوان. لعب الأطفالُ الشطرنج مع أساتذة التعليم ما قبل الجامعي، وجرّبوا الرماية مع اللجنة الأولمبية القطرية، وابتسموا بحريّةٍ لا تقيّدها قيود. أخبرتني إحدى الفتيات بأن اللعبَ ساعدها على نسيان همومها وجعل ذهنها أكثر صفاءً. عندها أدركتُ أن الشفاءَ لا يحتاج دائمًا إلى وصفة طبية – أحيانًا يكفيه الإيقاع.

عبر هذه السنوات، بات نمطٌ واضحٌ يتشكّل: كلّما أصغينا أكثر، ازدادت فاعليةُ عملنا. فالرؤى التي نجمعها من كلّ حوار، وكلّ نشاط، وكلّ ابتسامة مشتركة، تواصلُ تشكيل تصوّرنا لمستقبل مبادرات الصحة المجتمعية، وحشد الجهود. ففي أسبوع الدوحة للصحة، لا نكتفي بنشر الوعي، بل نوثّق تجارب حيّة تنير مسارَ “ويش” في تحقيق رسالته بتحويل مساحاتِ الحوار إلى قوةٍ فاعلة ونفوذٍ مؤثر.

هذه الأصوات المجتمعية – معلمون يسعون إلى العافية، وأطفالٌ يكتشفون الشجاعة، وعائلاتٌ تتبنى الوقاية – تسهمُ في رسم أطر صحية مستقبلية في قطر. وهي تنسجم مع ركائز الاستراتيجية الوطنية للصحة: التثقيف الصحي، والوقاية، والتمكين، والعافية المتكاملة. لقد تعلمتُ أن السياسات لا تولَد في غرف الاجتماعات، بل تنبثق من اللحظات – على طاولة فن، أو بجوار وحدات الفحص الطبي، أو في ضحكات أطفالٍ يلعبون.

مع خفوت صوت الطبول وغروب الشمس فوق “ملتقى”، التقطتُ صورةً أخيرة. وجوهٌ تشعّ دفئًا وطمأنينةً وتواصلاً. لخّصتْ تلك الصورة جوهرَ أسبوع الدوحة للصحة: مساحة تصبح فيها الصحة إنسانية، حيث يشعر الناس بأنهم مرئيون ومسموعون. فإذا أصغينا بعمقٍ كافٍ، تتحول هذه التجارب إلى مخططاتٍ لأنظمةٍ أفضل. فسياساتُ الصحة التي لا تُصغي لنبضِ الناس تفقدُ سريعًا نبضَ الوطن، أما حين نُصغي، نكتشفُ أن الشفاءَ يحدث بالفعل – في الضحك، وفي التعلّم، وفي سائر جسدِ المجتمع. لقد علّمني أسبوعُ الدوحة للصحة أنّ لكلّ ابتسامة، ولكلّ سؤال، ولكلّ قصةٍ مشتركة قدرةً على إحداث التغيير. وعلّمني أيضًا أن الصحةَ طموحٌ إنسانيٌّ جامع، لا تحدُّهُ حدود.