تخطى إلى المحتوى الرئيسي

التحول الصامت: كيف تعيد الحياة الرقمية تشكيل الصحة النفسية لأطفالنا وعائلاتنا؟

الأربعاء, يناير 21, 2026
التحول الصامت: كيف تعيد الحياة الرقمية تشكيل الصحة النفسية لأطفالنا وعائلاتنا؟

الدكتورة سناء الحراحشة، مدير البحوث في مؤتمر القمة العالمي للابتكار في الرعاية الصحية «ويش»

أفراد عائلة يجتمعون في مكان واحد، ومع هذا يخيم الصمت عليهم؛ الرؤوس منحنية، والعيون ملتصقة بالشاشات، يتشاركون نفس المكان، ولكن كل تائه في عالمه الرقمي. مشهد ربما شاهدته من قبل أو ربما يكون متكررًا في بيتك.

لقد أعاد عالمنا الرقمي تشكيل الحياة الأسرية؛ فالأطفال اليوم يمضون ساعات طويلة أمام الشاشات، والآباء والأمهات لا يفارقون أجهزتهم الإلكترونية. ويأتي هذا الاتصال المستمر بالأجهزة على حساب صحتنا النفسية الجماعية، فالأدوات التي صُمِّمت لتقرّبنا من بعضنا البعض، صارت على العكس تضع حواجز عاطفية بيننا. وبوصفي أمًا، اعترف أنني قد انتفعت بفوائد التكنولوجيا، ولكنني دفعت في المقابل ثمنًا، تمثّل في قلة الصبر وضعف التركيز وتشتت الذهن. لا يحتاج الأمر إلى إثبات أن كثرة الإفراط في استخدام الوسائط الرقمية يتسبب في التشتت ويؤدي إلى إدمان الشاشات بين الأطفال والكبار.

لا أقصد إثارة الخوف هنا، بل نشر الوعي، فنحن في القمة العالمية للابتكار في الرعاية الصحية «ويش»، نرى أن هذه المسألة تحتاج لاهتمام عاجل؛ لأنها تمس الجيلَ المقبل. والسؤال الذي يجب أن يُطرح ليس عن تأثير التكنولوجيا من عدمه على الصحة النفسية، بل كيف نحمي عائلاتنا في هذا العصر الرقمي.

إذا سبق وأن أعطيت طفلك جهازًا لوحيًا ليهدأ قليلاً، أو وجدت نفسك تتصفح بلا هدف، فاعلم أنك لست وحدك. ثمة آباء وأمهات حول العالم يتساءلون: هل ما نفعله يفيد أطفالنا، أم يضرهم دون أن ندري؟ فالقضية لا تتعلق فقط بطول الوقت الذي نقضيه أمام الشاشات، بل بكيفية استخدامنا للتكنولوجيا. يمكن للأدوات الرقمية أن تكون وسيلة للتعلّم والتواصل، لكن حين تستخدم دون هدف وبلا حدود، تتسبب في زيادة القلق وفي تدهور الحالة المزاجية. وجيل الشباب اليوم ينشؤون في عالم أصبح فيه «الحضور الرقمي» هو الوضع الطبيعي.

ويا لها من مفارقة مؤلمة عندما ترى المراهق الذي يتخذ العديد من الأصدقاء الافتراضيين يشعر بالوحدة الشديدة في الحياة الواقعية. إن هذا الانحناء في وضعية الجلوس الذي يأتي بعد قضاء وقت طويل أمام الشاشة  ليس مجرد علامة على سوء المزاج، بل مؤشر لمشكلة أعمق. تؤكد بعض الدراسات، ومنها هذه الدراسة المنشورة في مجلة طب الأطفال «جي أيه أم أيه»، أن الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي له صلة وثيقة بالقلق والاكتئاب والشعور بالوحدة بين المراهقين. فالتأثير السلبي الناتج عن مقارنة أنفسهم بالآخرين يزعزع ثقتهم بالنفس، إذ يقارنون واقعهم الحقيقي بأوهام افتراضية مصنوعة بعناية.

يؤدي هذا إلى ما يُعرف بـ«مفارقة العزلة»، حيث تتحوّل المنصات الرقمية من مصدر للتواصل إلى أداة لتغذية الشعور بالوحدة. وقد أظهرت دراسة أجرتها جامعة بنسلفانيا أن الحد من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يخفف من مشاعر الوحدة والاكتئاب. والأمر لا يقتصر على عواطفنا فقط؛ فالتطبيقات مُصمَّمة لتحفيز إفراز الدوبامين، حيث تنتشي النفس مع كل «إعجاب»، فيفهم الدماغ أن العالم الرقمي أكثر إشباعًا للنفس من العالم الواقعي، ومن ثم يصعُب ترك الهاتف. 

ومن باب المصارحة نقول إن الالتصاق بالشاشات لا يقتصر على أطفالنا، فالآباء والأمهات أيضًا قد وقعوا في فخ العالم الرقمي. إننا نطلب من الأطفال ترك الأجهزة، ومع هذا تجدنا نراجع رسائل البريد الإلكتروني الخاص بالعمل في أثناء تناول العشاء، فيفهم الأطفال ضمنيًا أن تشتت الانتباه أمر طبيعي. تُعرف هذا الظاهرة باسم «التشتت التكنولوجي»، وتحدث عندما يعيق استخدام التكنولوجيا التواصل الطبيعي بين الأشخاص. فانشغال الأب أو الأم بالهاتف يعطي رسالة ضمنية للطفل بأنهما لا يأبهان له، وهو ما قد يدفعه للقيام بسلوك ما لجذب انتباههم أو الانسحاب من المشهد بهدوء، وفي كلتا الحالتين تضعف العلاقة بين الوالدين والطفل.

والمشكلة هنا ليست عاطفية فحسب، بل جسدية أيضًا، إذ يلجأ العديد من الآباء والأمهات إلى الشاشات كنوع من الاستراحة، فيزدادون قلقًا وتوترًا. كما تخلط الثقافة الحديثة للعمل المستمر على مدار الساعة بين الحياة المهنية والشخصية، وتستنزف الطاقة المخصصة للجلوس مع عائلاتنا. ومع ذلك، يمكن إعادة السيطرة على هذا الوضع إذا ما تعمدنا اتخاذ خطوات بسيطة، كإيقاف الإشعارات عند تناول الطعام، وترك الهاتف بعد انتهاء العمل، أو الالتزام اللفظي، كأن نقول لأنفسنا: «سأترك الهاتف الآن وأستمع لغيري.»

هذه الظاهرة العالمية لها صدى محلي مدوٍ؛ فدولة قطر تُضيئ الشاشات في جميع بيوتها تقريبًا. ومع توافر خدمات الإنترنت لجميع سكانها تقريبًا والاستخدام الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، تتاح العديد من الفرص، لكن يصاحبها ضغوط كثيرة أيضًا.

وقد أظهرت دراسة مشتركة أجرتها كل من قمة «ويش» وقمة «وايز» ومعهد الدوحة الدولي للأسرة وجامعة حمد بن خليفة أن زيادة استخدام الشاشات بين الأطفال والعائلات ترتبط بزيادة مستويات التوتر، وانخفاض جودة النوم، وضعف التواصل الأسري. بالإضافة إلى ذلك، كشفت دراسة منشورة في مجلة «كومينكاشنز أوف ذا أيه سي أم» عام 2025 أن ما يقرب من 30٪ من الآباء والأمهات والمراهقين في دول مجلس التعاون الخليجي يستوفون معايير إدمان الإنترنت، وهي نسبة تعادل ضعف النسبة المسجلة في أوروبا.

ولكن ثمة بارقة أمل، إذ يمنح الإطار الاستراتيجي للصحة والعافية النفسية 2019 – 2022 في دولة قطر أولوية للرفاه الأسري ضمن سياسات الدولة. وتشهد قطر حملات متواصلة حول الثقافة الرقمية والتوعية المدرسية، إلى جانب استمرار فرض القيود على المنصات عالية المخاطر. وبرغم هذه الجهود، فإن إحداث تغيير دائم يتطلب تعاون الجميع – ويشمل ذلك المعلّمين، والآباء والأمهات، وصانعي السياسات – لتبني عادات رقمية يتم بناؤها بوعي ومراعاة للثقافة المحلية.

إننا لا نتحدث عن قطع الصلة بالتكنولوجيا، فهي على العكس قادرة على تقوية علاقاتنا الأسرية بشرط أن نستخدمها بوعي. الهدف ليس حظر الأجهزة، بل استخدامها بتعقل، كأن نترك استخدام الأجهزة على سبيل المثال خلال تناول العشاء أو عندما نفعل شيئًا مشتركًا مع الغير. فالتكنولوجيا يمكن أن تكون وسيلة فعالة لدعم الصحة النفسية، كما يحدث على سبيل المثال عند الحصول على جلسات للعلاج النفسي عن بعد. الحل إذًا يكمن في تبني عادات صغيرة والمواظبة عليها؛ فعادات مثل التخلي عن الأجهزة في المساء أو التواصل البصري المستمر مع الطفل يلبي له احتياج ملح، وهو الحصول على انتباهنا الكامل.  

تبتكر العديد من الدول حول العالم حلولاً لإعادة التوازن بيننا وبين التكنولوجيا. ففي فرنسا جرى إصدار «قانون الحق في قطع الاتصال» لحماية الوقت الشخصي، بينما تشجع الدول الإسكندنافية مفهوم «الحياة في الهواء الطلق» للاستمتاع بالطبيعة على حساب الشاشات. وفي سنغافورة، تسعى حركة «التكنولوجيا من أجل الحياة» لتعزيز الاستخدام الواعي للتكنولوجيا، أما كندا والمملكة المتحدة فيحظران استخدام الهواتف في المدارس، بينما تتصدر كوريا الجنوبية المشهد بمخيمات إزالة السموم الرقمية لمكافحة إدمان الإنترنت.

والخيط المشترك بين هذه المبادرات جميعها أن الحل ليس في المنع، يل يتحقق من خلال وضع حدود لاستخدام التكنولوجيا، على أن تدعمها منظومة التعليم والسياسات والالتزام الثقافي.

وبصفتي أمًا وباحثة، أشعر بتوتر يومي. أرى وجه طفلي وهو يتغيّر بسبب قلة «الإعجابات»، وألمس بنفسي كيف تسرق الشاشات الوقتَ المخصص للعائلة. وأنا أفهم كباحثة دور الدوبامين في هذا الأمر، لكنني كأم أشعر بداخلي بالألم الذي يسببه هذا الانفصال.

ويؤكد عملي مع «ويش» ما يدركه الآباء بالسليقة، وهو أن الأجهزة تهدد في صمت الترابط الأسري. لكنني شهدت أيضًا بوادر أمل. فإجراء تغييرات بسيطة، مثل وضع قواعد عائلية بالمشاركة مع الأطفال لتحديد كيفية استخدام التكنولوجيا، يمكن أن تعيد التوازن الأسري. فعندما يقول أحد الوالدين: «لنترك الهاتف جميعًا»، فإن ذلك يعزز التعاون وليس الخلاف.

ما هو الدرس المستفاد إذًا؟ الدرس هو أن الحل لا يكمن في المنع، بل في التعاون على مستوى العائلات التي يمكن أن تقدم من خلال سلوكياتها نموذجًا في الوعي الرقمي، والمدارسُ التي تُعلّم الثقافة الرقمية، وصنّاع السياسات الذين يصمّمون بيئات رقمية تحمي الصحة النفسية. لقد آن الأوان للانتقال من مرحلة توصيف المشكلة إلى بناء حلول قائمة على الأدلة تركّز على الإنسان. ومن جانبها، تلتزم مبادرة مؤتمر «ويش» بقيادة هذه المهمة المتمثلة في تحويل الرؤى إلى أثر ملموس يعود بالنفع على الأسر في كل مكان.

إذا كان ثمة شيء قد تعلمناه من العصر الرقمي فهو أن التواصل الحقيقي يبدأ من البيت، الذي تخلو فيه موائد الطعام من الأجهزة ويتجاذب فيه أفراد الأسرة أطرافَ الحديث بذهن حاضر. صحيح أن الاستخدام العشوائي للتكنولوجيا قد يغير عادات الأسرة ويؤثر في نمو الأطفال، لكن السيطرة عليه ليس مستحيلاً، بل يمكننا إعادة التوازن لحياتنا عبر اتخاذ اختيارات واعية.

يبدأ التغيير بخطوات صغيرة، ويجب على صنّاع السياسات دعم الثقافة الرقمية، وعلى المربّين أن يغرسوا الذكاء العاطفي في نفوس الطلاب، وعلى المتخصصين في الرعاية الصحية أن يلتقطوا إشارات الإفراط في استخدام التكنولوجيا. والأهم من ذلك كله، أن الآباء والأمهات بإمكانهم إثبات أن الانتباه التام لأطفالهم هو أصدق أشكال المحبة. فلنحرص على أن تكون التكنولوجيا وسيلة للقرب لا البعد.

انضموا إلينا في قمة «ويش 2026»، حيث ينصب النقاش حول الصحة النفسية والرفاه الرقمي. وليس هدفنا أن نقطع الصلة مع الفضاء الرقمي، بل إعادة الصلة الوثيقة مع الأشياء التي تميزنا كبشر.