تخطى إلى المحتوى الرئيسي

وصولٌ مفتوح وعيونٌ يقظة: كيف تُعيد الأدلة الجديدة صياغة فهمنا للصحة النفسية للأطفال في مناطق النزاع

الأحد, أبريل 12, 2026
وصولٌ مفتوح وعيونٌ يقظة: كيف تُعيد الأدلة الجديدة صياغة فهمنا للصحة النفسية للأطفال في مناطق النزاع

الدكتور سنور فيرما والدكتور سليم سلامة

تقف عقول الأطفال اليوم في مقدمة خطوط النار بمناطق النزاعات. فمن غزة إلى السودان، ومن أوكرانيا إلى اليمن، ينشأ ملايين الأطفال تحت نيران القصف، والتهجير والخوف اليومي من أن المدارس والمستشفيات والمنازل لم تعد آمنة. وبينما تتزايد الأدلة والتنديدات بالهجمات على الأنظمة الصحية والعاملين فيها، يظل العبء الخفي على الصحة النفسية للأطفال غير معترف به إلى حد كبير، ويفتقر إلى التمويل الذي يستحقه. ولا يُعزى ذلك إلى نقص الأدلة، بقدر ما يُعزى إلى الإخفاق المستمر في إعطاء الأولوية للصحة النفسية في إطار الاستجابات الإنسانية والصحية.وهنا تحديدًا تكمن الفجوة التي تسعى إلى سدها السلسة الجديدة الصادرة عن الدورية الطبية البريطانية (BMJ) حول الصحة النفسية للأطفال في مناطق النزاع، وقد اقترح مؤتمر القمة العالمي للابتكار في الرعاية الصحية “ويش” إطلاق هذه السلسلة وتولى تمويلها . وأُطلقت هذه السلسة بالتعاون مع الدورية الطبية البريطانية (BMJ)، حيث يتعهد فريقها التحريري بإعدادها ومراجعتها وتحريرها بشكل كامل ومستقل؛ وهي تجمع بين أدلة جديدة حول كيفية تأثير النزاعات على عقول الأطفال، وما يمكن للنظم الصحية والإنسانية أن تفعله بشكل مختلف للتصدي لهذه الآثار.

كثيرون حقًا هم الأطفال الذين يحضرون إلى العيادات الطبية بسبب إصابة جسدية، لكن المعاناة الكامنة وراء صمتهم وكوابيسهم وانطوائهم تمر دون أن يلاحظها أحد ودون أن تُعالج.

وينظر مؤتمر “ويش” إلى هذه السلسلة باعتبارها جزءًا لا يتجزأ عن عمله طويل الأمد المتعلق بالاعتداءات على المرافق الصحية في مناطق النزاعات الإنسانية، وليست مشروعًا قائمًا بذاته. فقد كشف تقرير “على خط النار: حماية الصحة في النزاعات المسلحة”، الذي أعدّه “ويش” بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، وأُطلق خلال فعاليات النسخة السابعة من المؤتمر في نوفمبر 2024، عن تصاعدٍ مقلق في عدد وتعقيد الهجمات على القطاع الصحي، داعيًا إلى تعزيز الحماية القانونية، وتحسين جمع البيانات، وترسيخ قدرٍ أكبر من المساءلة السياسية. كما أشار التقرير بوضوح إلى رسالة أكثر عمقًا مفادها أن الضرر الواقع لا يقتصر على الجانب الجسدي فقط. فعندما تُقصف المرافق الصحية، أو تُمنع سيارات الإسعاف، أو يُهدَّد العاملون في المجال الصحي، تفقد المجتمعات ثقتها في الأنظمة التي وُجدت لحمايتها. أما الأطفال الذين ما تزال عقولهم وهوياتهم في طور التشكّل فإن هذا التآكل في الشعور بالأمان والثقة لا يمرّ مرور الكرام، بل يترك بصماته العميقة على صحتهم النفسية مدى الحياة، وقدرتهم على التعلّم، ونسيج علاقاتهم الاجتماعية.

وتنقل سلسلة الدورية الطبية البريطانية هذه الفكرة إلى قلب القضية الأكثر إلحاحًا، ألا وهي الصحة النفسية للأطفال الذين يعيشون أهوال النزاعات. فإذا كانت الهجمات على الأنظمة الصحية تقوّض أسس الرفاه، فإن حماية الصحة يتعين أن تشمل الصحة النفسية للأطفال بشكلٍ صريح وواضح. إذ أن دعم الصحة النفسية في حالات الطوارئ لا ينبغي التعامل معه كإضافة ثانوية يمكن تأجيلها إلى ما بعد تلبية الاحتياجات الجسدية. لكن ذلك لا يزال هو الحاصل على أرض الواقع في أغلب الأحيان. بينما الحقيقة التي لا تحتمل التأويل هي أن الصحة النفسية، في سياقات النزاع، تُعد جزءًا لا يتجزأ من صميم الاستجابة الصحية، لا هامشًا لها. وتبرز الأوراق العلمية المحكّمة الثلاث ضمن هذه السلسلة، لتسلّط الضوء على أبعادٍ حاسمة غالبًا ما تُغفل في هذا الواقع المعقّد، ولا تكتفي هذه الأوراق في مجموعها بالتعبير عن القلق العام، بل تدفع بالحوار خطوةً أبعد من مجرد توصيف المشكلة إلى تقديم حلولٍ ملموسة قابلة للتطبيق.

ويتناول المحور الأول في هذه السلسلة جانب العواقب بعيدة المدى للتعرّض المبكر للعنف وعدم الاستقرار. فالأطفال الذين يكبرون تحت وابل القصف، أو يتجرعون مرارة النزوح القسري، أو يفقدون من يرعاهم بسبب النزاعات، لا يتعافون ببساطة عندما يصمت الرصاص. ومن دون حصولهم على الدعم الملائم، تظل تلك التجارب المريرة عالقةً في أذهانهم، تُعيد تشكيل صحتهم النفسية، وتحدد مساراتهم التعليمية، وفرصهم الاقتصادية حتى مراحل متقدمة من حياتهم. وتشير الأدلة بوضوح إلى ارتفاع معدلات الاكتئاب والقلق واضطرابات نفسية أخرى، إلى جانب تراجع الأداء الدراسي، وتقلّص فرص الحصول على عملٍ لائق في المستقبل. ولا يقف الأثر عند حدود الفرد، إذ يمكن للصدمات غير المعالجة في الطفولة أن تغذّي دوّاماتٍ متكررة من العنف والهشاشة، تُلقي بظلالها على الأسر والمجتمعات عبر الأجيال. وهنا يتغيّر منظور السياسات جذريًا؛ من التركيز على التعافي قصير الأجل، إلى الاستثمار طويل الأمد في رأس المال البشري. وفي إدراك هذا الأفق الممتد ما يعيد تعريف معنى التعافي؛ فلم يعد مجرد استعادةٍ قصيرة الأجل للخدمات الأساسية، بل تحوّل إلى مشروعٍ استثماري عبر الأجيال والإمكانات البشرية الكامنة.

أما الخلاصة المحورية الثانية التي تبرزها هذه السلسلة، فهي أن حلول التدخلات الفعّالة والقابلة للتوسّع قائمة بالفعل حتى في أكثر البيئات هشاشة. فقد أظهرت البرامج التي ينفّذها أشخاص مدرَّبون من غير المتخصصين، مثل العاملين الصحيين في المجتمع أو المعلمين، نتائج واعدة في التخفيف من أعراض الضيق النفسي لدى الأطفال والمراهقين المتأثرين بالنزاعات. ورغم أن دمج هذه التدخلات ضمن الرعاية الصحية الأولية، والمدارس، والخدمات المجتمعية يبقى خيارًا عمليًا وقابلاً للتنفيذ وبتكلفة معقولة نسبيًا، لا يزال هذا النهج يعاني من نقصٍ واضح في الأولوية والتمويل. وتدعو الأوراق إلى تبنّي مقاربات عملية ومرنة، مثل تقاسم المهام، ونُظم الرعاية المتدرجة، وإدماج مؤشرات الصحة النفسية ضمن الأنظمة المعلوماتية الروتينية في مجالي الصحة والتعليم، باعتبارها وسائل تتيح الكشف المبكر عن الأطفال الذين يعانون، وكذلك تقديم الدعم لهم بشكلٍ أسرع وأكثر استمرارية.

أما الإسهام الثالث والبارز في هذه السلسلة، فيكمن في التركيز على التمويل والحوكمة. فرغم ضخامة الاحتياجات، لا تحظى الصحة النفسية إلا بجزءٍ ضئيل من التمويل الإنساني، وتحصل الصحة النفسية للأطفال والمراهقين على نصيبٍ أصغر من ذلك بكثير.ويعكس هذا الواقع اختلالاً بنيويًا في كيفية تحديد أولويات الصحة وتمويلها في أوقات الأزمات. وحتى حين تتوفر الموارد، فإنها غالبًا ما تكون قصيرة الأجل، وموجهة إلى مشاريع مؤقتة، وغير مدمجة بشكل كافٍ في الخطط الوطنية للصحة والتعليم. وفي وقتٍ تتقلص فيه المساعدات الإنمائية الرسمية، وتُقيَّد خطط الاستجابة الإنسانية، يتجه التركيز مجددًا نحو تدخلات “منقذة للحياة” بمعناها الضيق. وهنا تحديدًا، تُواجه خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي، بما في ذلك المقاربات المجتمعية، خطر التهميش، رغم دورها الحيوي كخط الدفاع الأول في مواجهة الأزمات. وتدعو هذه السلسلة إلى تحوّلٍ جذري نحو مقاربات طويلة الأمد وشاملة على مستوى الأنظمة، بحيث تُدمج الصحة النفسية للأطفال في صلب السياسات الوطنية، وتوحّد التمويل الإنساني والإنمائي حول أهداف مشتركة، وتحثّ الجهات المانحة على التعامل مع الاستثمار في الصحة النفسية بوصفه ركيزةً لإعادة بناء المجتمعات، لا إنفاقًا اختياريًا يمكن الاستغناء عنه. ويتطلب هذا التحول بياناتٍ أفضل، ومساءلةً أوضح، واستعداد لقياس النجاح ليس فقط بانخفاض معدلات الوفيات أو اتساع نطاق الخدمات، ولكن أيضًا بالتعافي النفسي، والأداء الاجتماعي.

ولم يكن الدور المُحفز الذي يطلع به مؤتمر “ويش” في عملية التحويل هذه محض صدفة. فمن خلال موقعه كمنصة تربط بين الأدلة والسياسات ودبلوماسية الصحة العالمية، عقد “ويش” حوارات رفيعة المستوى في الدوحة ونيويورك وجنيف وأوساكا لمعالجة الواقع الذي تواجهه النظم الصحية التي تتعرض للهجوم. وتأتي سلسلة الدورية الطبية البريطانية حول الصحة النفسية للأطفال في سياقات النزاع امتدادًا طبيعيًا لهذا المسار، من خلال التأكيد على وضع الصحة النفسية للأطفال في قلب النقاش حول الهجمات على القطاع الصحي لا على هامشه. وقد بادر مؤتمر “ويش” باقتراح إطلاق هذه السلسلة، وتوفير التمويل اللازم لها، وتغطية رسوم النشر بنظام الوصول المفتوح، بحيث تصبح أوراقها الثلاث متاحةً مجانًا لكل قارئ، في أي مكان. وهذا الالتزام بالوصول المفتوح يتعدى كونه مجرد تفصيل تقني عابر. فهو يضمن أن يتمكن العاملون في الخطوط الأمامية، وصنّاع السياسات، والمدافعون عن الحقوق، والباحثون في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، حيث غالبًا ما تشتد وطأة هذه القضايا، من الوصول إلى المعرفة، واستخدامها، والبناء عليها، دون أن تعيقهم حواجز مالية.

ومن خلال دعم النشر بنظام الوصول المفتوح، أسهم مؤتمر “ويش” في توسيع نطاق هذه السلسلة وتعظيم أثرها المحتمل. فقد أصبحت الأدلة متاحةً لتغذية السياسات الوطنية، وتوجيه الإرشادات الإنسانية، وصياغة استراتيجيات المانحين في الوقت الفعلي بدلاً من أن تظل محجوبة خلف حواجز دفع رسوم الاشتراكات. كما ينسجم هذا التوجّه مع الجهد الأوسع الذي يبذله مؤتمر “ويش” لسد الفجوة بين النقاشات العالمية حول السياسات، والواقع اليومي الذي يعيشه الأطفال في مناطق النزاع. فمن خلال البرامج الذي يطلقها مؤتمر “ويش” والمعنية بالهجمات على الرعاية الصحية، يتعاون المؤتمر عن كثب مع الحكومات، ووكالات الأمم المتحدة، ومنظمات المجتمع المدني، للبحث في سبل منع والتصدي للهجمات على مرافق الرعاية الصحية والعاملين بها. وتقدم سلسلة الصحة النفسية للأطفال إجابات ملموسة لأسئلةٍ غالبًا ما تُهمل، رغم أهميتها العميقة، مثل كيف يمكن تصميم خدمات تراعي الأثر النفسي للهجمات؟ وكيف ندعم الأطفال الذين شهدوا العنف أو فقدوا عاملين صحيين كانوا مصدر ثقة وأمان؟ وكيف نتحقق من أن جهود التعافي تصل فعلاً إلى الأطفال الذين يعانون في صمت؟

وفي وضع هذه السلسلة في صميم عمل مؤتمر “ويش” بشأن الهجمات على الرعاية الصحية ما يبعث برسالةٍ واضحةٍ لا لبس فيها تفيد بأنه في سياقات النزاع، لا يمكن فصل حماية الصحة النفسية للأطفال عن حماية الأنظمة الصحية نفسها. فليس من الكافي إعادة بناء المستشفيات، دون معالجة الخوف الذي يُبقي العائلات بعيدًا عنها. ولا يكفي أيضًا إطلاق حملات التطعيم، مع ترك الصدمات النفسية بلا علاج.

ويتطلب المضي قدمًا تحوّلاتٍ ملموسة في السياسات والممارسات، من بينها:

  1. إدماج الصحة النفسية للأطفال كعنصرٍ أساسي ضمن جميع حزم الاستجابة الصحية الإنسانية
  2. تخصيص تمويل مستدام وقابل للتنبؤ، بما في ذلك إنشاء مسارات تمويل مخصصة لهذا المجال
  3. إدراج مؤشرات الصحة النفسية ضمن أنظمة الصحة والتعليم
  4. مواءمة المقاربات الإنسانية والإنمائية حول نتائج طويلة الأمد تُعنى بمستقبل الأطفال

ومن جهته، ينظر مؤتمر “ويش” إلى سلسلة الدورية الطبية البريطانية على أنها ثمرة سنواتٍ من العمل المتراكم، وفي الوقت ذاته نقطة انطلاق لمرحلةٍ جديدة. فهي تُدخل أدلةً رصينة إلى مجالٍ طالما سبقت فيه الحاجة الأخلاقية الإرشادات العملية. ولم يعد السؤال اليوم يتعلق بما يجب علينا القيام به بقدر ما يتعلق بإرادة المجتمع الدولي واستعداده لتحمل مسؤولياته.

لقد خسر الأطفال الذين يعيشون في مناطق النزاعات ما يفوق الوصف. وإذا أردنا أن نحمي عقولهم كما نحمي أجسادهم، فلا بد أن نتعامل مع الصحة النفسية للأطفال كأولوية صحية مركزية في عصرنا، لا كفكرةٍ مؤجلةٍ إلى بعد حين.