تخطى إلى المحتوى الرئيسي

الشراكات المتكاملة ركيزةً أساسيةً للاستجابة الصحية في النزاعات والكوارث

الثلاثاء, أبريل 7, 2026
الشراكات المتكاملة ركيزةً أساسيةً للاستجابة الصحية في النزاعات والكوارث

سعادة المهندس إبراهيم بن هاشم السادة, العضو المنتدب والأمين العام للهلال الأحمر القطري

من المسلَّم به أن النظم الصحية غالبًا ما تكون أول ما يختلّ في أوقات النزاعات والكوارث، وآخر ما يتعافى بعدها. فحين تتضرر المستشفيات، وتُغلق العيادات، ويُهجَّر العاملون الصحيون، وتتعطل سلاسل الإمداد، تكون العواقب فوريةً وشديدةَ الوطأة. وفي مثل هذه الظروف، لا تستطيع المجتمعات أن تنجو أو تتكيّف أو تعيد بناء حياتِها بكرامة من دون وصولٍ موثوق إلى الخدمات الصحية الأساسية. فالصحة ليست مسارًا منفصلًا عن العمل الإنساني، بل هي إحدى ركائِزه الأساسية.

وفي الهلال الأحمر القطري، رسّخت خبرتنا الإنسانية الممتدة لقرابة نصف قرن قناعةً راسخة مفادها أن الصحة ليست اعتبارًا ثانويًا في الاستجابة الإنسانية، بل هي في صميم أي استجابةٍ ذات أثر. ففي خضمّ النزاعات المسلّحة، والكوارث الطبيعية المفاجئة، والأزمات الممتدة، تشكّل التدخلات الصحية حجرَ الأساس في صمود المجتمعات. فالرعاية الطبية الطارئة، والوقاية من الأمراض، وخدمات صحة الأم والطفل، ودعم الصحة النفسية، ليست عناصر إضافية يمكن الاستغناءُ عنها، بل عناصر جوهرية في أي جهد إنساني فاعل.

وقد أظهر لنا عملنا في شتى أنحاء العالم أن الاحتياجاتِ واسعة ومتواصلة. ففي بعض البيئات، تقدّم فرقنا الرعايةَ الجراحيةَ الطارئة لضحايا بالعنف، وتشغّل مستشفيات ميدانية، وتسيّر عيادات متنقلة تصل إلى المجتمعات التي دُمّرت مرافقها الصحية أو تعذّر الوصول إليها. وفي حالات أخرى، نركّز على الرعاية الصحية الأولية، وتنفيذ حملات التطعيم، وتوفير خدمات الصحة الإنجابية، لضمان استمرار خدمات الرعاية الاعتيادية المنقذة للحياة مع اندلاع الأزمات. كما ندعم إدارة الأمراض المزمنة، حتى لا تتحول حالات مثل السكري وارتفاع ضغط الدم إلى أزمات صحية صامتة حين تنفد الأدوية. وفي الوقت ذاته، نستثمر في خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي لمن عايشوا الفقد والنزوح والصدمة، إدراكًا منّا أن الجراح التي لا تُرى قد  تكون أشدّ وطأةً من الجراح الجسدية.

ولا يقتصر هذا العمل على منطقةٍ بعينها أو على توقيت محدّد. فالهلال الأحمر القطري يعمل في بلدان متعددة، عبر مناطق النزاع والبيئات الهشّة والمجتمعات المتضررة من الكوارث، وغالبًا في ظروفٍ بالغة التحدي. وتتواصل تدخلاتنا الصحية على مدار الساعة، بدءًا من أقسام الطوارئ التي تتعامل مع حوادث الإصابات الجماعية، وصولاً إلى الفرق الميدانية التي تقطع مسافات طويلة لإيصال اللقاحات وخدمات رعاية الأمومة والتثقيف الصحي إلى القرى النائية. كما ندعم العاملين الصحيين بالتدريب والإمدادات الطبية والإرشاد الفني، لكي تستمر الرعاية الصحية حتى بعد انحسار التغطية الإعلامية عن مواقع الأزمات بزمن طويل. وهذه الاستمرارية حيوية؛ فالإغاثة الصحية لا تقتصر على الساعات الاثنتين والسبعين الأولى من الطوارئ، بل تمتدّ إلى جهود طويلة الأمد تهدف إلى صون الحياة والكرامة لأشهر وسنوات.

غير أن أزمات عالمنا اليوم باتت أكثر تعقيدًا وتشابكًا. فالنزاعات تتقاطع مع النزوح القسري، وضعف النظم الصحية الضعيفة أو المنهَكة، وظهور أمراض معدية جديدة وعودة أمراض كانت قد انحسرت، فضلًا عن التأثير المتعاظم للكوارث المرتبطة بالتغير المناخي. وفي مشهد كهذا، لم تعد الاستجابات القصيرة الأجل والمجزأة كافية. إذ لا بد أن تُصمَّم التدخلات الصحية الإنسانية بما يعزز صمود المجتمعات، ويحافظ على استمرارية الخدمات الصحية، ويبني قدرات النظم المحلية حتى في ظروف عدم الاستقرار. وهذا يتطلب دعم المؤسسات الصحية المحلية، وتدريب الكوادر الوطنية، وضمان قدرة سلاسل الإمداد على الصمود أمام الصدمات، ودمج برامج الطوارئ ضمن الاستراتيجيات الصحية الأطول أمدًا.

ولتحقيق ذلك، لا غنى عن بناء شراكاتٍ استراتيجية وتكاملية. فما من مؤسسة، مهما بلغت خبرتها، تستطيع وحدها أن تلبّي كامل هذه الاحتياجات. إن التصدي للتحديات الصحية العالمية في السياقات الإنسانية يقتضي جهودًا منسّقة تجمع بين المستجيبين في الخطوط الأمامية، وصنّاع السياسات، والمبتكرين، والباحثين، والمنصات التي تترجم الأدلة إلى ممارسات عملية. ونحن بحاجة إلى مساحات حوارية حقيقية يشارك فيها العاملون في الميدان تجاربهم كما هي، ويصغي فيها صانعو السياسات إلى تلك الخبرات، ويستجيبون، ويصمّمون حلولًا تجمع بين الطموح والواقعية.

وفي هذا السياق، تمثّل الشراكة بين الهلال الأحمر القطري ومؤتمر القمة العالمي للابتكار في الرعاية الصحية “ويش” نموذجًا محليّ النشأة، لافتًا وملهمًا. فقد أصبح “ويش” منصةً دولية مؤثرة في تشكيل الخطاب الصحي العالمي، وصياغة توصيات السياسات القائمة على الأدلة ونشرها، وجمع مختلف الأطراف المعنية للتصدي لأشدّ التحديات الصحية إلحاحًا في زماننا. ومن خلال هذا التعاون، نعمل على ألا تُعامَل قضايا الصحة في النزاعات والكوارث بوصفها موضوعًا هامشيًا، بل أن تتصدرَ أجندة الحوار الصحي العالمي رفيع المستوى.

كما تتيح لنا هذه الشراكة أن نجسر الهوّة بين ما يجري في الميدان وما يدور في قاعات المؤتمرات. فهي تتيح إدخال أصوات المجتمعات الهشّة والمتضررة، والعاملين الصحيين في الخطوط الأمامية، إلى النقاشات الاستراتيجية التي تُعقد في كثير من الأحيان بعيدًا عن مواقع الأزمات. وتُعرض خبراتهم لا بوصفها أرقامًا أو مؤشرات مجردة، بل باعتبارها تجارب إنسانية ينبغي أن تسهم في توجيه الأولويات العالمية. وفي المقابل، يمكن توظيف الرؤى والابتكارات المنبثقة من مجتمع الصحة العالمي وتكييفها مع البيئات الإنسانية، بما يساعدنا على تحسين جودة استجاباتنا الصحية وكفاءتها وعدالتها.

ومن خلال التعاون بين الهلال الأحمر القطري و”ويش”، يمكننا إبراز أهمية الابتكار الإنساني الشامل الذي يراعي خصوصية السياق المحلي. وسواءٌ تعلّق الأمر باستخدام الأدوات الرقمية لدعم الخدمات الصحية عن بُعد، أو تطوير نماذج مبتكرة للرعاية الصحية المجتمعية، أو باتباع مقاربات تدمج الصحة النفسية ضمن الاستجابة للطوارئ، فإن جهودنا المشتركة تسعى إلى ضمان أن يكون الابتكار في خدمة الفئات الأكثر عرضةً للخطر، لا أن يفاقم الفجوات القائمة. وهذا يتطلب قدرًا من التواضع والتعاون والاستعداد للتعلّم من التجارب، نجاحًا كانت أم إخفاقًا.

وخلاصة القول، إن الاستجابات الصحية القوية في البيئات الهشّة والمتأثرة بالأزمات ليست مجرد التزام إنساني، بل هي أيضًا إحدى ركائز الأمن الصحي العالمي. فالأمراض المعدية، وضعف النظم الصحية، والاحتياجات الصحية غير الملبّاة في أي بقعة من العالم، قد تفضي إلى عواقب بعيدة المدى. ومن ثمّ، فإن مستقبل العمل الإنساني يتطلب نهجًا أكثر شمولًا، يجمع بين الاستجابة الطارئة السريعة والنتائج الصحية المستدامة، ويجعل من الابتكار والاستدامة والقيادة المحلية مرتكزاتٍ أساسية.

وفي قلب هذا التحوّل، تأتي الشراكات التكاملية، مثل الشراكة الهلال الأحمر القطري و”ويش”. فمن خلال مواءمة العمل الإنساني مع أحدث المعارف، وإبراز رؤى العاملين في الخطوط الأمامية، وتعزيز روح بالمسؤولية المشتركة، يمكننا بناء استجاباتٍ أكثر رحمة، وأعلى فاعلية، وأشدّ صمودًا. وفي الهلال الأحمر القطري، نظلّ ملتزمين بهذا المسار، نعمل ليلَ نهار في مواقع الأزمات حول العالم، حتى تبقى الصحة في صميم العمل الإنساني، وحتى لا يُترك الأشدّ تأثرًا بالنزاعات والكوارث خلف الركب.