تخطى إلى المحتوى الرئيسي

مسيرة المدن الصحية في قطر

الأحد, مارس 29, 2026
مسيرة المدن الصحية في قطر

الدكتورة صدرية الكوهجي، رئيسة الشبكة الوطنية للمدن الصحية في قطر

المدن الصحية أكثر من مجرد برنامج؛ إنها طريقة في التفكير في الصحة، لا بوصفها شيئًا يبدأ في المستشفيات، بل بوصفها واقعًا يتشكّل كل يوم بفعل البيئات التي يعيش الناس فيها، ويتعلمون، ويعملون، وينشؤون. وفي اليوم الخليجي للمدن الصحية، نحتفي بهذه الرؤية في منطقتنا، ونتأمل كيف يمكن للمدن أن تصبح بيئات حاضنة للصحة، والرفاه، والإنصاف، والقدرة على الصمود.

وبالحديث عن دولة قطر، فإن مسيرة المدن الصحية تحكي قصة تطور مطّرد؛ فعلى مدار العقد الماضي، انتقل هذا النهج من مفهوم ريادي إلى مقاربة وطنية راسخة تجمع البلديات، والجهات الحكومية، والمؤسسات الأكاديمية، والمجتمعات المحلية حول غاية مشتركة: تهيئة بيئات معيشية أوفر صحة للجميع. واليوم، ونحن نمضي في مرحلة تجديد الاعتماد، لا نكتفي بتجديد صفةٍ أو لقب فحسب؛ بل نؤكد من جديد التزامًا طويل الأمد بصحة السكان، والوقاية، والتنمية المستدامة.

أما في سياق دول مجلس التعاون الخليجي، فيكتسي هذا النهج أهمية خاصة؛ إذ تشهد بلداننا تطورًا حضريًا متسارعًا، وتحولات ديموغرافية، وتغيرات في أنماط الحياة. وتوفّر المدن الصحية إطارًا يضمن ألّا يُقاس التقدّم بالبنية التحتية والنمو الاقتصادي وحدهما، بل أيضًا بمدى قدرة بيئاتنا على دعم النشاط البدني، والرفاه النفسي، والتماسك الاجتماعي، والاستدامة البيئية، والخدمات الشاملة للجميع.

القيادة والحوكمة: أساس التقدم

بصفتي رئيس شبكة المدن الصحية في دولة قطر، كان من أبرز ما أدركته أهمية القيادة والحوكمة؛ فالمدن الصحية تنجح حين لا يُنظر إليها على أنها “مشروع صحي”، بل مسؤولية مشتركة بين القطاعات، ينهض بها قادة البلديات، ومسؤولو التخطيط، والتربويون، واختصاصيو البيئة، ومقدمو الخدمات الاجتماعية؛ إذ تتكامل جهودهم معًا في الاضطلاع بأدوار أساسية لا غنى عنها.

وما فتئت الشراكة العابرة للقطاعات تمثّل أقوى محرّكات التقدم؛ فعندما يعمل القطاع الصحي يدًا بيد مع قطاعات التخطيط الحضري، والتعليم، والنقل، والتنمية الاجتماعية، ننتقل من مربع التدخلات المتفرقة إلى مربع إحداث التحوّل على مستوى المنظومة. فعلى سبيل المثال، يسهم تصميم أحياء تشجع على المشي، ومساحات عامة آمنة، ومدارس يسهل الوصول إليها، ومرافق مجتمعية مهيأة للجميع، في تحسين الصحة بقدر ما تسهم به الخدمات العلاجية.

ولا يقل عن ذلك أهميةً التبنّي المؤسسي لهذا النهج؛ فالبلديات التي تدمج مبادئ المدن الصحية في عمليات التخطيط، وهياكل الحوكمة، ومؤشرات الأداء، هي الأقدر على تحقيق أثر مستدام. والمدن الصحية ليست عبئًا إضافيًا؛ بل هي نهج يعزّز الطريقة التي تعمل بها المدن أصلًا.

منظور صحة الأطفال والمراهقين: صياغة مستقبل أوفر صحة

لقد أسهمت خلفيتي المهنية في طب المجتمع وصحة الأطفال والمراهقين في تشكيل مقاربتي للمدن الصحية على نحو عميق؛ فالأطفال واليافعون يذكروننا بأن دعائم الصحة تُرسى مبكرًا، قبل ظهور الأمراض المزمنة بوقت طويل. وتترسخ العادات الصحية منذ سن مبكرة حين تجد ما يعزّزها، لا في البيئات المادية الداعمة فحسب، بل أيضًا عبر جهد منسق ومتواصل بين المدارس والأسر والمجتمع ككل؛ وهي تتشكل كذلك في مساحات اللعب الآمنة، والمدارس الداعمة، والبيئات الميسرة للأطفال ذوي الإعاقة، والمجتمعات التي ترعى الرفاه النفسي والعاطفي.

ومهما بلغت قوة الخدمات الصحية التقليدية، فإنها لا تستطيع وحدها معالجة هذه المحددات. وهنا يسد نهج المدن الصحية هذه الفجوة بتركيزه على البيئات المؤثرة في النمو، وتعزيزه الروابط بين البيت والمدرسة والمجتمع؛ فهو يهيئ الظروف التي تمكّن الأطفال من الازدهار بدنيًا واجتماعيًا وعاطفيًا، كما يعزز التصميم الشامل للجميع، والخدمات الميسرة، والمقاربات المجتمعية التي تضمن ألّا يتخلف أي طفل عن الركب.

وحين تُصمم المدن مع وضع الأطفال في الحسبان، تصبح أوفر صحة للجميع؛ فالشوارع الآمنة، والهواء النقي، والمساحات الخضراء، وشبكات الدعم المجتمعي القوية، تعود بالنفع على البالغين الأكبر سنًا، والأسر، ومن يعيشون مع الأمراض المزمنة، بقدر ما تعود بالنفع على الأطفال.

المدينة التعليمية: نموذج لمدينة تعليمية صحية

تجسد المدينة التعليمية نموذجًا قويًا لكيفية تطبيق مبادئ المدن الصحية داخل منظومة تعليمية ومجتمعية شاملة؛ فهي ليست حرمًا جامعيًا واحدًا، بل فضاءً حضريًا حيًّا ومتكاملًا يجمع الجامعات، والمدارس، والمعاهد البحثية، ومرافق الرعاية الصحية، والمرافق الطلابية والمجتمعية، والحدائق، والمساحات المشتركة المخصصة للرياضة والثقافة والتفاعل الاجتماعي. وما يجعلها بحق “مدينة تعليمية صحية” هو نهجها الشامل في تعزيز الرفاه عبر هذه البيئات المترابطة جميعها؛ فتعزيز الصحة فيها مدمج في التصميم الحضري، والبيئات التعليمية، وخدمات الرعاية الصحية، والأولويات البحثية، والمشاركة المجتمعية، ومبادرات الاستدامة.

وتقدّم المدينة التعليمية برهانًا عمليًا للكيفية التي يمكن بها للتعليم والصحة والحياة المجتمعية أن يدعم كلٌّ منها الآخر؛ فالأطفال والطلاب والأسر والمهنيون يتنقلون في فضاءات تشجع على النشاط البدني والرفاه النفسي والتواصل الاجتماعي، وتسهم مؤسسات الرعاية الصحية والبحوث في إنتاج الأدلة العلمية التي تسترشد بها السياسات والممارسات، فيما تسهم المدارس والجامعات في ترسيخ سلوكيات صحية تدوم مدى الحياة، وتساعد البرامج المجتمعية، والمساحات الخضراء، والمناطق الترفيهية في توسيع نطاق المنافع الصحية ليمتد إلى ما هو أبعد من سياقات التعلّم النظامي، بما يضمن دمج الرفاه في تفاصيل الحياة اليومية.

ويمكن توسيع نطاق التبني لعناصر عدة من هذا النموذج في دولة قطر والمنطقة الأوسع من خلال:

  • إدماج الصحة في السياسات والبنى التحتية التعليمية والحضرية.
  • تعزيز بيئات التعلّم النشط، والمساحات الصالحة للمشي، والبيئات الداعمة للغذاء الصحي.
  • تقوية دعم الصحة النفسية والرفاه في المؤسسات التعليمية والمجتمعية.
  • الاستفادة من المؤسسات التعليمية والبحثية بوصفها حاضنات للابتكار في مجال صحة المجتمع.

يثبت لنا نموذج المدينة التعليمية أن نهج المدن الصحية لا يقتصر على البلديات أو هياكل الحوكمة الحضرية التقليدية، بل هو نموذج مرن وقابل للتوسع يمكن تطبيقه في بيئات متنوعة ومتعددة الاستخدامات، يلتقي فيها التعليم والرعاية الصحية والبحوث والحياة المجتمعية لبناء مجتمعات أوفر صحة.

تجديد الاعتماد: التحديات والدروس المستفادة

تُعد عملية تجديد الاعتماد لحظةً للتأمل بقدر ما هي فرصة للنمو؛ فهي تدفع المدن إلى تقييم مستوى تقدمها بصدق، وتحديد مجالات التحسين. وعلى مستوى دولة قطر، تتركّز أبرز الدروس المستفادة في أربعة مجالات، هي: البيانات، والحوكمة، والمشاركة المجتمعية، والاستدامة.

تظل البيانات واحدة من أعقد التحديات؛ فقياس الرفاه، والتماسك الاجتماعي، وجودة البيئة يتطلب توفر نظم معلومات قوية، وتبادلًا للبيانات بين القطاعات. لكن هذا التحدي يتيح في الوقت نفسه فرصةً لبناء نظم أذكى وأكثر تكاملًا لرصد الصحة الحضرية.

وتعد الحوكمة مجالًا محوريًا آخر؛ فالمدن الصحية تحتاج إلى آليات تنسيق واضحة، وأدوار محددة، وقيادة قوية على المستوى البلدي. ومن دون ذلك، قد تفقد حتى المبادرات المصممة بإحكام زخمها.

أما المشاركة المجتمعية، فهي ضرورية لكنها تتطلب جهدًا دؤوبًا؛ إذ تحتاج إلى الثقة، والاستمرارية، ومقاربات تراعي الخصوصيات الثقافية. وعلى المدن أن تتجاوز حدود التشاور إلى تفعيل المشاركة الحقيقية في تصميم الحلول مع ساكنيها.

وأخيرًا، تعني الاستدامة ضمان ألّا تعتمد المدن الصحية على الأفراد أو على التمويل قصير الأجل، بل أن تترسخ في السياسات، والميزانيات، والثقافة المؤسسية.

المشاركة المجتمعية في السياق الثقافي القطري

في دولة قطر، تؤتي المشاركة المجتمعية أفضل ثمارها حين تُبنى على قوة الروابط الأسرية والتكافل الاجتماعي والهوية المحلية. وقد أثبتت المقاربات التي تعتمد على إشراك المدارس، والمجموعات المجتمعية، والمبادرات الشبابية، وشبكات التطوع فعاليتها بشكل خاص.

ويميل الناس بدرجة أكبر إلى المشاركة والتفاعل حين يرون أنفسهم شركاء لا مجرد مستفيدين؛ فإحساس المجتمع بملكيته لهذه الجهود يحوّل المدن الصحية من مبادرة حكومية إلى حركة جماعية، ويضمن استمراريتها وبقاءها وثيقة الصلة بالواقع المحلي، حتى فيما تواصل المدن نموها وتغيرها.

استشراف مستقبل المدن الصحية في قطر ودول مجلس التعاون الخليجي

خلال السنوات الخمس إلى العشر المقبلة، أرى أن المدن الصحية ستصبح ركيزة استراتيجية أكثر رسوخًا للتنمية الحضرية في قطر وعلى مستوى دول مجلس التعاون الخليجي؛ فمنطقتنا تواجه تحديات ناشئة تجعل هذا النهج أكثر ضرورة من أي وقت مضى: الضغوط المناخية، وتزايد الاحتياجات المتعلقة بالصحة النفسية، والتحول الرقمي، والتحولات الديموغرافية.

ويمكن للمدن الصحية أن تستجيب لذلك من خلال:

  • إدماج اعتبارات الصمود المناخي في التصميم الحضري.
  • تعزيز الصحة النفسية عبر بيئات داعمة.
  • استخدام الأدوات الرقمية لتعزيز المشاركة المجتمعية.
  • ضمان تخطيط شامل للجميع يراعي كبار السن والشباب.

وفي السنوات المقبلة، سترتبط المدن الصحية على نحو متزايد بالصمود والقدرة على التكيف والابتكار.

وقفة تأمل شخصية

أكثر ما يحفزني هو أن أرى كيف يمكن لتغييرات بسيطة في البيئات التي نعيش فيها أن تترك أثرًا دائمًا في حياة الناس. وسواء تمثل ذلك في ساحة لعب أكثر أمانًا، أو مدرسة أكثر شمولًا، أو برنامج مجتمعي يجمع الأسر، فإن هذه اللحظات تذكرني دائمًا بأهمية هذا العمل.

ومن الإنجازات الهادفة التي أعتز بها كثيرًا إسهامي في تغيير الطريقة التي نفهم بها الصحة: من شيء يحدث داخل مرافق الرعاية الصحية إلى واقع تتشكّل ملامحه كل يوم في مدننا ومجتمعاتنا.

رسالة إلى اليوم الخليجي للمدن الصحية

وبمناسبة اليوم الخليجي للمدن الصحية، فرسالتي بسيطة: المدن الصحية ليست ترفًا ولا مجرد طموح؛ بل ضرورة، وهي الأساس لمجتمعات أوفر صحة، وأكثر إنصافًا، وأقدر على الصمود.

وحين نستثمر في البيئات الصحية، فإننا بذلك نستثمر في أجيال المستقبل؛ فنحن نبني مدنًا لا تكتفي بدعم مقومات الحياة فحسب، بل تساعدها على الازدهار.الدكتورة صدرية الكوهجي استشارية أولى بارزة في طب المجتمع، ومتخصصة في صحة الأطفال والمراهقين. تزخر مسيرتها المهنية بمحطات إنجاز عديدة؛ إذ قادت مبادرات وطنية لصحة الأطفال والمراهقين في قطر، وتولّت قيادة أولوية “أطفال ومراهقون أصحاء” في الاستراتيجية الوطنية الثانية للصحة، كما تشغل منصب مساعد مدير الطب لصحة الأطفال والمراهقين في مؤسسة الرعاية الصحية الأولية، وهي أيضًا رئيس شبكة المدن الصحية في دولة قطر.